في مديح طعامنا، بهجة موائدنا، وصنّاعه .. و(موسم المكدوس)

في مثل هذا الأوقات الممتدة بين شهري أيلول وتشرين الأول من كل عام، يدخل السوريون ماراثون صنع المكدوس السنوي، وهو تقليد موسمي متبع منذ مئات السنين كجزء هام من التراث غير المادي لبلاد الشام، بحيث كان يندر أن تدخل داراً دمشقية أو حلبية بشكل خاص، إلا وتشم رائحة الثوم النفاذة وتشاهد اصطفاف “قطرميزات” الباذنجان المقلوبة على قفاها بانتظار نضجها. إلا أنه في العقدين الأخيرين بات عبئاً مضافاً على عموم الأسر السورية مع الارتفاع الباهظ لمكوناته، واستبدالها بمواد رخيصة تفقده نكهته الأصلية ومتعة تذوقه. 

خلطة سحرية مؤلفة من الجوز والثوم وزيت الزيتون والفلفل الأحمر، تشكل المواد الرئيسية والبسيطة لهذا المكون الغذائي التاريخي الاستثنائي الذي تنتظره العائلة كأحد أشهى الأطباق ذي القيمة الغذائية العالية والمتكاملة التي تخزن لموسم الشتاء، وينتظره بشغف مماثل جميع السوريين في دول المهجر واللجوء، بحيث باتوا يتبارون على وسائل التواصل الاجتماعي في تصوير فرحهم لحظة استلام حصتهم من (مكدوسات الماما) بوصفها أجمل ثروة تصلهم من الوطن.

هل يستحق هذا المكدوس كل هذه المقدمة والديباجة والمديح؟؟

كثيراً ما فكرت في هذا السؤال، ليس فيما يخص مذاقه أو طريقة صنعه، بل في تلك المرأة المبدعة البسيطة والريفية غالباً، التي لم تجلس تحت شجرة وتفكر طويلاً قبل أن تسقط التفاحة وتكتشف قانون الجاذبية، بل في الإلهام الذي دفع بها لسلق الباذنجان وحشوه بتلك المكونات وتكديسه وإكسابه كل تلك الجاذبية. كم مرة فشلت التجربة؟ وهل جربت مع الكوسا مثلاً أو البطاطا ثم تأكدت أن الباذنجان هو الأنسب؟؟

ليس المكدوس المستهدف وحده هنا، بل بوصفه فاتح شهية للحديث عن مكونات تراثية لامادية أخرى لبلاد الشام مثل الكبة التي تعود في تاريخها إلى 3000 سنة، وتدفعك لتخيل جمال تلك المرأة الآشورية التي خمنت أن عجن اللحم بالقمح المجروش سينتج عنه هذا المكون المدهش الذي سميّ (كبتو) ووُثّقَ وجوده كطعام في ولائم ملوك آشور. وبم كانت تفكر نظيرتها، تلك المرأة الشاعرية التي جلست تتأمل إشراقة دالية العنب في باحة دارها ثم قررت قطف الأوراق وحشوها بالأرز واللحم ولفها بمهارة ثم إضافة كل الإبهار البصري والمذاقي الذي شكل في النهاية طبقاً استثنائياً يدعى (اليبرق).

أتحدث هنا بثقة عن كونهن نساء من صنعن هذه الأطايب بسبب الإناطة التاريخية والتقليدية لأعمال الطبخ بالنساء. رغم أن الكثير من ابتكارات الطعام العصرية تعود لرجال مثل بيتزا إيطاليا وهمبرغر أميركا، إلا أن المطبخ كان دوماً مملكة النساء في هذه البلاد، منه خرجت كل إبداعات الطعام، ربما عبر المصادفة، أو بالتجربة الحثيثة، إلا أن النتيجة واحدة بوصفهن مبدعات مجهولات في التاريخ ابتكرن تنوعاً واسعاً في غذائنا، دون أن يتوقعن أنه سيرسخ لأصالته، ويستمر بين الأجيال عشرات القرون ويكتسب كل هذا المجد والخلود.

في توسيع البحث عن أصول هذه الابتكارات الغذائية التراثية أو صناعها وصانعاتها في عموم بلاد الشام، ستكتشف بفخر ودهشة أن فتات أول رغيف خبز في العالم عثر عليه في موقد حجري في الصحراء السوداء شمال شرق الأردن في موقع (الشبيقة) الأثري، ويعود الى أكثر من أربعة عشر ألف عام، سابقاً ظهور الزراعة بمئات السنين، مما يعتبر سبقاً حضارياً مهد لنقلة نوعية للبشرية من مرحلة الصيد إلى الزراعة واستقرار الإنسان بعد اكتشافه للحبوب وزراعتها.

كما ستدهش أن عمر البقلاوة  يعود لزمن الآشوريين قبل آلاف السنين قبل أن يتم تطويرها لاحقاً في القصور العثمانية، وأن عمر منسف لبن الجميد الأردني العريق الذي ارتبط تاريخياً بالملك المؤابي (ميشع) يعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وأدرج اليوم رسمياً على لائحة التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو، وأن كل المجهولين والمجهولات من مبتكري طعامنا أورثوا كل بلد ثروات شهية باتت تشكل جزءاً من الهوية وتعزز الانتماء إلى سلف صالح أسس لأصول وقواعد هذه الابتكارات التي لاتقل قيمة عن اختراع الماكينات والآليات وكل ما توصلت إليه البشرية.

ما نأكله ونراه اليوم من سيل آلاف الوصفات التي تنتشر في البيوت والمطاعم وبيوت الطبخ المتخصصة وعبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، ليس أكثر من تنويع على الأصول التي وضعتها الجدات الجميلات المجهولات قبل آلاف السنين، وأن أية إضافات هجينة على هذه الأصول وقواعد الوصفات ومقاديرها الدقيقة قد يفسد المذاق في كثير من الأوقات، كأن تجرب مثلاً إضافة عرق السوس أو كريما الطبخ بديلاً عن الثوم والليمون فوق ورق العنب.

طعامنا، بهجة موائدنا، صنعته بأناملهن مجهولات الاسم، إلا أن أنفاسهن الطيبة مازالت حية في وصفاتهن التي نكرر تذوقها مئات المرات بكل شغف وبلا ملل وبكامل الرغبة والشهية. ولأجل هذا يحق الدفاع عن هذا التراث اللامادي كواجب وطني لكل بلد لأجل حفظ التقدير والامتنان لمن اجتهد وصنع ديمومته، وبخاصة تراث بلاد الشام الذي يشهد اعتداءات متكررة من قبل دولة الاحتلال التي تحاول التزييف ونسب هوية الطهي للعديد من الأطعمة العربية التراثية إلى تاريخها، والسطو عليها تحت مسمى (المطبخ الإسرائيلي) مثل الحمص والفلافل والكنافة والمنسف وغيرها.

إلى زمن قريب، كان هناك تقليد عائلي ديني صارم تراجع نسبياً مع تغير أنماط الحياة العملية ومواعيد الطعام، يقضي بعدم الجلوس للمائدة وتناول الطعام قبل أداء صلاة الشكر لهذه النعمة الإلهية. وهو حقاً تقليد نبيل يستحق أن يستذكره المرء مع كل لقمة طعام، وأن يكرس كأساس في العملية التربوية لدى الأجيال الناشئة بشكل خاص، لأجل تقدير الطعام وكل من أسس له من قواعد طهي، في عالم تزداد فيه المجاعات وانعدام الأمن الغذائي مقابل (بطر غذائي) غير معهود.

مقالات للكاتب/ة

لماذا تُمطر؟؟

لقراءة المزيد

people using phone while standing

عود ثقاب

لقراءة المزيد