(المحققون الخرفان) القطيع الصالح من الراعي الصالح

أحد أمتع أنواع السينما بل أصعبها أيضاً، هي صناعة أفلام الرسوم المتحركة المعروفة بـ(الأنيميشن) التي برعت فيها أستوديوهات هوليوود بوصفها رائدة عالمية بوفرة إنتاجها السنوي. وهي أفلام تجمع بين المتعة والإثارة وتحمل العديد من الرسائل الهادفة، التربوية بشكل خاص، وتتراوح مواضيعها في المعتاد بين الثقافي والفني وأحياناً السياسي.

التوجه للعائلة هدف إيجابي وثابت لمعظم الإنتاجات الهوليوودية، وبناء عليه، صُنعت معظم الأفلام بما يناسب هذا التوجه، وركزت في معظمها على قصص لحيوانات الغابة أو الحيوانات الأليفة الأكثر جاذبية للأطفال. فقدمت حتى اليوم عشرات الأفلام من أبرزها سلسلة ليون كينغ عن عالم السنوريات، والبحث عن نيمو الخاص بعالم الأسماك والبحار، وهروب الدجاج، والديناصور اللطيف، وسلسلة سلاحف النينجا، وزوتوبيا عن الأرانب وغيرها.

حول اللطف والذكاء والذاكرة والتواصل الاجتماعي، يتمحور فيلم المحققون الخرفان، الذي يسرد قصة جورج، صاحب مزرعة نموذجية يعيش فيها بعزلة مع قطيع ماشيته المميزة

أحدث أبطال هوليوود هذه المرة، هم خرفان فيلم الجريمة والغموض والكوميديا (المحققون الخرفان) المقتبس عن رواية (ثلاث حقائب ممتلئة) للألمانية ليوني سوان الشهيرة ككاتبة جريمة، والذي أتيح للعرض العالمي في شهر مايو الماضي، وحظي بجماهيرية كبيرة وإشادات نقدية عالمية لبراعته في السيناريو والتنفيذ وأداء الأصوات، ويمكن أن يضاف هنا أيضاً ذكاء المحتوى وفرادته.

الفيلم ليس أنيمشن بالكامل، بل فيلم حركي حي يدمج بين التمثيل الواقعي والخرفان التي صممت بتقنية المسح الضوئي ثلاثي الأبعاد المتقدم، حيث قام فريق المؤثرات البصرية في (فرام ستور) بوضع “أغنام حقيقية داخل قبة ضخمة مخصصة تضم مئات الكاميرات لالتقاط دقة حركة جلودها، وتجاعيد الصوف، وتعابير الأفواه، لإنشاء قطيع رقمي شديد الواقعية، مع تطوير أداة برمجية داخلية مخصصة للتحكم السريع في محاكاة حركة الحشود الكبيرة من الأغنام”.

صبيحة أحد الأيام الحزينة، سيعثر على جورج مقتولاً في مزرعته، ليتحرك قطيع ماشيته ويبدأ تحقيقاته الخاصة على (الطريقة الخاروفية) لحل لغز الجريمة والعثور على القاتل

الأغنام أو الخرفان، التي تعتبر أحد أجمل وألطف الكائنات، وتحظى في الديانات الإبراهيمية بمكانة رمزية وروحية واقتصادية عالية، هناك اعتقاد عام سائد حولها يصفها بالغباء بسبب طبيعة القطيع، رغم أن الدراسات العلمية الحديثة أثبتت أنها أذكى مما يعتقد الناس وأنها تتمتع “بذاكرة بصرية ومقدرة على حل المشكلات والتواصل الاجتماعي”.

حول اللطف والذكاء والذاكرة والتواصل الاجتماعي، يتمحور فيلم المحققون الخرفان، الذي يسرد قصة جورج، صاحب مزرعة نموذجية يعيش فيها بعزلة مع قطيع ماشيته المميزة التي يعتاش من صوفها ولبنها ويحميها من فكرة الذبح والاتجار بلحومها. كما يعاملها بألفة وصداقة مع منحه لكل خاروف أو كبش اسمه المميز. جورج المزارع، لكنه أيضاً العاشق لقصص الجريمة، حيث يجمع ماشيته كل ليلة ويقص عليها قصصاً عن الجرائم وكيف يتم التحقيق فيها، اعتقاداً منه أنها مجرد خرفان، لا تفهم.

صبيحة أحد الأيام الحزينة، سيعثر على جورج مقتولاً في مزرعته، ليتحرك قطيع ماشيته ويبدأ تحقيقاته الخاصة على (الطريقة الخاروفية) لحل لغز الجريمة والعثور على القاتل، بالاعتماد على ذاكرته وقصص الجرائم التي قصها عليها جورج لسنوات واعتقد أنها لا تفهم، إلى أن يتوصل القطيع إلى القاتل ويقوده إلى العدالة.

 هل يمكن للخرفان أن تضطلع بمهمة تحقيق جنائي حقاً؟

في مخيلة هوليود كل شيء قابل للتحقيق والتصديق، إذ تعتمد الركيزة الأبرز في صنع أفلام الرسوم المتحركة على المخيلة الجامحة. وبوصفها لعبة فنية مثيرة متوافق بشأنها بين صناع الأفلام والمشاهدين، سيترجم الجواب عبر سلوكيات شديدة الذكاء والإقناع تسلكها الماشية في مسارات التحقيق، تترافق مع جرعة عالية من الكوميديا والمغامرات الشيقة غير الاعتباطية بل تبنى وفقاً لخطط استراتيجية تعتمد على السرية والأدلة المثبتة، ليفضي كل ذلك إلى إثبات ذكاء الماشية الخفي والنجاح في تغيير صورتها النمطية أمام العالم.

كل ما تقدم سيطفو في الظاهر ويتناسب مع المشاهدين الأطفال الذين يتلقفون مثل هذه القصص عن براعة الحيوانات بحماس وإعجاب وإثارة. لكنه في العمق، يغوص في مفاهيم وقيم تترك أثرها الإيجابي المستقبلي في ذاكرة الأطفال، من أبرزها معنى البيئة وأهمية الحفاظ عليها، ونبذ التنمر، وأهمية وواجب التعامل بحب ورحمة مع الكائنات التي تبادلنا الألفة وتقدم لنا أسباب عيشنا من طعام وكساء وغيرها.

أضف إلى ثقافة المعلومات العامة التي يضمنها الفيلم ولا يعرفها في المعتاد إلا المختصين. مثل قصة (خاروف الشتاء) الذي يشارك في الفيلم كأحد الأبطال لكنه يعامل بطريقة منبوذة من أقرانه في الماشية ويتنمرون عليه طوال الوقت. ليكتشف المرء أنه خاروف غير مرغوب من الناس بسبب ولادته في الشتاء وتكدس الدهون والماء في جسده، الأمر الذي يجعل من أنسجة لحمه غير مرغوبة غذائياً.

لكن هذا النبذ والتنمر ضده لن يطول بعد أن يثبت هذا الخاروف أنه فعال في أمور أخرى يجيدها بمهارة. في إسقاط نبيل يحيل إلى الناس المختلفين في الحياة سواء بمولدهم أو عرقهم أو بشرتهم، والتنمر أو النبذ الذي يتعرضون له، فيما هم قادرون أن يفاجئوا العالم أحياناً بإبداعات غير متوقعة، أو بمعنى آخر، أهمية عدم الاستخفاف بأي كائن، لأن اختلافه هو إضافة للحياة وليس العكس. 

الخرفان في الفيلم ليست مجرد كائنات اختيرت بالصدفة، فهي في تفسير موازٍ ذات مغزى سياسي يتحدث عن رمزية القطيع، وعن أهمية ودور الراعي الصالح في تأسيس وقيادة قطيع صالح. هذا القطيع الذي أثبت في غياب راعيه أن البنى التربوية الصحيحة التي ربي عليها أثمرت عند الحاجة، وأنه كقطيع قادر على تنظيم نفسه قيادات وأفراد خلال الفراغ السياسي، والتحرك بحكمة من أجل ضبط الأمور وعدم الفلتان، وأهمية السعي مجدداً نحو تنصيب راعٍ صالح يتمم مهام سلفه الصالحة.

فيلم ذكي وخفيف الظل ومفعم بالمتعة والفائدة، لكنه قد لا يعجب عشاق وذواقة اللحوم، إذ أنه دعوة صريحة ولطيفة للتوجه نحو النباتية (فيجيتاريانيسم). وهو توجه غذائي نباتي عالمي يتوسع وينمو باضطراد لتقليل استهلاك اللحوم الحمراء للحد من التغير المناخي والوعي الصحي وحقوق الحيوان. وهي رسالة إيجابية للغاية نجح الفيلم في إيصالها للأجيال الناشئة التي تعاني في العديد من الدول من ظاهرة البدانة بسبب الأطعمة السريعة والعادات الغذائية والاستهلاكية الرديئة.

(المحققون الخرفان) فيلم متكامل الأركان في صنعته وإضافة طيبة لسلسلة أفلام ناجحة تعتمد تقنية المزج مع التمثيل الواقعي أو الأنيميشن بالكامل، والتي وصفها رائد الرسوم المتحركة ومؤسس أمتع مدن العالم (والت ديزني) بأنها أفلام تصنع للأطفال من سن السابعة وحتى السبعين. إنها كذلك حقاً.

مقالات للكاتب/ة

people using phone while standing

عود ثقاب

لقراءة المزيد