بعد أكثر من عقدين على انتشارها العالمي، أفرزت ثورة الاتصالات الإلكترونية إيجابيات جذرية غيرت حياة المجتمعات وعلاقات ملايين الأفراد والسياسة والاقتصاد وغيرها. لكنها كشأن أي اكتشاف علمي أو تكنولوجي ذو حدين، حملت معها سلبيات عدة منها ما يتعلق بطبيعة برمجتها القادرة على التعقب أو اختراق الخصوصية الفردية أو الدولية، وهو أمر يمكن ضبطه ببرامج خاصة. فيما ترتبط السلبيات الكثيرة الأخرى بسوء استعمالها الفردي، وكأنها أشبه بعود ثقاب، إما أن يستعمله حامله لغرض التدفئة وطهي الطعام، أو يستعمله لحرق غابة.
وسائل التواصل الاجتماعي، معجزة ثورة الاتصالات الإلكترونية والمحرك الأقوى للتفاعل العالمي اليوم، واحدة من أبرز تجليات سوء الاستعمال هذا، والمسبب في كثير من الأحيان لتأثيرات سلبية مجتمعية قد تتطور إلى تأثيرات جنائية مدمرة. فهي من ناحية، وبسبب طبيعة شروط استعمالها الحر عموماً، وصلت لآلاف الأفراد من المتشددين عقائدياً أو المنفلتين أخلاقياً، وتحولت لأداة مجانية تخدم أفكارهم المؤذية والهدامة، بحيث بات من الصعب ضبطهم وحصر أعدادهم المتكاثرة أو إيقاف حساباتهم بما تبثه من سموم قاتلة.
ترتفع نسبة هذه التأثيرات السلبية التدميرية بشكل أكبر ضمن مناخات سياسية لدول غير مستقرة سياسياً أو غير قادرة على التحكم والتجريم الإلكتروني المطلوب. كما ترتفع بطبيعة الحال ضمن أجواء عامة متوترة وغير مستقرة كمثل أجواء الحرب التي تعيشها دول منطقة الشرق الأوسط اليوم. إذ لوحظ أن معظم ما تبثه حسابات ملايين الأفراد الذين ينتمون لهذه الدول في مثل هذه المرحلة الحساسة، ليست ردود فعل عادية أو آنية وعابرة، بل ثأرية وتحريضية جذرية تنذر بخراب أكبر، قد تقود مع ضخامة التحريض الممنهج وارتفاع خطاب الكراهية، لحروب أهلية عابرة للحدود.
في دول منطقة الشرق الأوسط، يعيش الملايين من الأفراد الذين ينتمون لأديان وإثنيات وقوميات وأعراق وطوائف كثيرة ومتعددة. وللتحديد بشكل أكثر دقة، يمكن حصر الحديث عن سوريا ولبنان والعراق ودولة الاحتلال الإسرائيلي، حيث يبرز هذا التنوع والتعددية بشكل أوضح، والمؤدي إلى تمظهر الصراعات المضمرة أو المعلنة بين جميع المكونات بشكل أكبر.
خارطة المشهد اليوم في هذه الدول كالتالي: شيعة وسنّة بتياراتهم المختلفة ومسيحيون بكافة طوائفهم ويهود وأرمن وشركس ودروز وتركمان وعلويون وإسماعيليون وكورد وصابئة وأزيديون وغيرهم. معظم هؤلاء يتصارعون بنسب مختلفة، فيما بينهم أو مع الآخر أو مع مجموعة آخرين، بأسماء مستعارة أو حقيقية عبر حساباتهم الإلكترونية. صراع جوهره الكراهية وإلغاء الآخر والتخوين المستمر لبعضهم البعض، مع جرعات حادة من السباب والذم والقدح والبذاءات الشنيعة التي تنتهك الأعراض، والتهليل لكل كارثة تصيب الآخر المستهدف والشماتة به إلى أقصى الحدود.
وفي الواقع، بات من الصعب أن يقال إن الصراع لفظي فقط وينحصر بالعالم الافتراضي، بل صار كل حدث في الشارع – مهما كان عادياً أو عفوياً وغير متعمد – ينتقل إلى العالم الافتراضي ويشعل معه نيران الفزعات والتحريض والكراهية اللامحدودة، وسرعان ما تعود هذه النيران الافتراضية لتترجم على الأرض بعنف وضحايا ودماء تسال في دورة متكررة ومتبادلة، بين العالم الافتراضي والحقيقي.
وفي مفارقة غريبة للغاية، تم رصد العديد من حملات التشهير والتحريض والكراهية الممنهجة الصادرة عن حسابات لأفراد لجأوا أو هاجروا إلى دول غربية واستقروا فيها، أي أنهم يحملون جنسياتها التي وافقوا مسبقاً على قوانينها ودساتيرها واحترامها للحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية وغيرها. لكن كل هذه الفضائل الحقوقية والإنسانية والحضارية التي ينعمون بها، لم تغير من بربريتهم الكامنة، التي وجدت ضالتها بالاستخدام السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي وتسخيرها لأحقادهم ضد الآخر، والتشجيع على الانتهاكات الإنسانية في بلدانهم الأم.
في المقابل، لا يمكن إنكار الجهود التي تبذلها إدارات وسائل التواصل الاجتماعي والدول لمراقبة الجرائم الإلكترونية، وأيضاً الجهود التي لا تتوقف لناشطين حقوقيين ومدنيين للرصد الإلكتروني وإنشاء منصات متخصصة للتبليغ عن التحريض والعنف وخطاب الكراهية. لكنها وللأسف جهود حثيثة لم تفلح حتى اليوم إلا بلجم عدد قليل من الحسابات، إما لكونها ذباب إلكتروني، أو بسبب مواربة أصحاب هذه الحسابات الحقيقيين والخبرة الخبيثة التي اكتسبوها حول كيفية الالتفاف والتحايل على قوانين ومعايير العالم الافتراضي ووسائله.
أمام هذه الكارثة الافتراضية المستمرة التي تنذر بأخطار تتنامى يوماً إثر يوم، تبرز الحاجة الملحة والإنقاذية لبناء مفهوم المواطنة المتساوية وتطبيقها دون مماطلة أو تأخير لتشمل لجميع المكونات في هذه الدول، على أن تستمر الجهود المدنية والمجتمعية والحقوقية لبناء سلم أهلي قائم على أسس التعايش المحترم والمتبادل بين الجميع، والضغط على صناع وسائل التواصل الاجتماعي لوضع قوانين رقابة ورصد أكثر حنكة وصرامة، وأيضاً فرض شروط ومعايير أكثر دقة تطبق حال إنشاء الحسابات.
وفي الحقيقة، يتساءل المرء إن كانت هذه الحلول الملحة والجذرية ستساهم فعلاً في تغيير آليات وعقليات أصحاب الحساب التدميرية ولجمهم، ضمن عالم يروج فيه للعنف والبلطجة على مستوى بعض منظوماته الدينية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية، بحيث تنحصر خيارات المواجهة الوحيدة اليوم عبر تعزيز المواجهة الأخلاقية للعالم، ورفع منسوب المناعة الذاتية للفرد، ليتمكن قدر المتاح من حصانة نفسه من شظايا التحريض والكراهية، والتذكر دوماً أن عود الثقاب، وجد لخدمته، وليس لدماره.





