ما بعد مجزرة التضامن: لماذا لا تكفي محاكمة المنفّذ وحدها؟

مقالة

في الجرائم الكبرى، لا تكون الحقيقة بسيطة ولا المسؤولية أحادية. ما كُشف عن مجزرة التضامن في دمشق أعاد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل نزاع: هل تتحقق العدالة بمحاكمة المنفّذ فقط، أم أن العدالة الحقيقية تبدأ عندما تُفكَّك منظومة الجريمة بكاملها؟
من الناحية القانونية، يقرّ القانون الجنائي الدولي بأن جرائم مثل تلك المرتكبة في سياق الحرب الأهلية السورية لا يمكن اختزالها بفعل فردي معزول. فهذه الجرائم، بحكم طبيعتها، غالبًا ما تكون نتيجة قرارات، أو على الأقل بيئة منظمة، تشمل التخطيط، والتوجيه، والتسهيل، والتغطية. وبالتالي، فإن حصر المساءلة بمن نفّذ الفعل على الأرض، مهما كانت بشاعته، يختزل الحقيقة ويهدد مسار العدالة.
القانون الدولي واضح في هذا السياق. فمبادئ مثل “المسؤولية القيادية” و”المساهمة الجنائية المشتركة” توسّع دائرة المساءلة لتشمل من أصدر الأوامر، أو سمح بوقوع الجريمة مع علمه بها، أو فشل في منعها رغم قدرته على ذلك. كما تشمل أيضًا من قدّم الدعم أو التسهيلات، أو لعب دورًا في التستر عليها أو تضليل الرأي العام. العدالة، هنا، لا تُقاس بالفعل المادي وحده، بل بالشبكة التي جعلت هذا الفعل ممكنًا.
غير أن الجدل لا يتوقف عند حدود تحديد المسؤوليات، بل يمتد إلى طبيعة العقوبة نفسه. فالدعوات إلى إيقاع عقوبة الإعدام بحق بعض المتهمين، رغم ما تحمله من بعد انتقامي مفهوم لدى الضحايا، تطرح تساؤلات جدية في سياق العدالة الانتقالية. هل يؤدي الإعدام إلى تحقيق العدالة، أم إلى إغلاق ملفات لا تزال مفتوحة؟
في تجارب دولية متعددة، تبيّن أن الاقتصار على العقوبة القصوى قد يحرم المجتمعات من فرصة معرفة الحقيقة الكاملة. فالمتهم الذي يواجه حكمًا نهائيًا بالإعدام قد لا يكون لديه حافز للتعاون أو الكشف عن معلومات إضافية تتعلق بسلاسل القيادة أو بجرائم أخرى لم تُكشف بعد. على النقيض، فإن اعتماد عقوبات بديلة، مثل السجن المؤبد دون إفراج مشروط، قد يوفّر مساحة قانونية للحصول على شهادات ومعلومات تسهم في بناء صورة أشمل للانتهاكات.
إلى جانب ذلك، هناك بُعد عملي لا يمكن تجاهله. فالتعاون الدولي في قضايا الجرائم الجسيمة—سواء في تبادل المعلومات، أو تسليم المتهمين، أو دعم مسارات العدالة الانتقالية—غالبًا ما يكون مشروطًا بعدم تطبيق عقوبة الإعدام. العديد من الدول والجهات المانحة ترفض الانخراط في إجراءات قد تفضي إلى هذه العقوبة، ما يعني أن الإبقاء عليها قد يعيق فرص المحاسبة بدل أن يعززها.
من هنا، فإن النقاش الحقيقي لا يجب أن يقتصر على “شدة” العقوبة، بل على “فاعليتها” في تحقيق العدالة الشاملة. العدالة الانتقالية، كما تُفهم في القانون الدولي، تقوم على أربعة أركان: المساءلة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار. وأي مقاربة تُغفل أحد هذه الأركان، مهما بدت حازمة، تبقى قاصرة.
في حالة مجزرة التضامن، قد يكون اعتقال أحد المنفذين خطوة مهمة، لكنها ليست النهاية. بل ربما تكون البداية الحقيقية لمسار أطول وأكثر تعقيدًا: مسار يهدف إلى تفكيك البنية التي سمحت بوقوع الجريمة، وتحديد المسؤوليات على مختلف المستويات، من الميدان إلى القيادة، ومن التنفيذ إلى التغطية.
العدالة، في هذا السياق، ليست لحظة حكم، بل عملية ممتدة. وهي لا تتحقق بإسكات صوت واحد، بل بكشف كل الأصوات التي شاركت—فعلًا أو صمتًا—في صناعة الجريمة

مقالات للكاتب/ة