التنبؤ بالطقس الذي أتقنت علومه عدد من الحضارات القديمة ومنها حضارات بلاد الشام عبر الملاحظة بالعين المجردة أو أدوات الرصد البدائية بما يعرف بعلم (البواحير). علم حيوي مثير وممتع، رغم تفوق أدواته التكنولوجية وأحدثها تدخل الذكاء الاصطناعي، الذي يمكن لنماذجه “إنتاج تنبؤات جوية أسرع بما يصل إلى 100 ألف مرة عن الأنظمة التقليدية”، مازال يعتمد بشكل رئيسي على كفاءة ومهارة المختص الراصد وخبرته في قراءة النماذج الجوية وتفسير البيانات.
كما أنه مازال في جانبه غير المتاح للعموم، يعتبر من ضمن “استراتيجيات الأمن القومي ومعلوماته ذات حساسية أمنية عالية نظراً لارتباطها المباشر بتخطيط العمليات العسكرية وحماية البنية التحتية والأمن القومي”.
عن أحوال الطقس ودقة التنبؤ وارتباطهما الحساس بالعمليات العسكرية، يتمحور الفيلم البديع (ضغط) الذي أتيح للعرض الجماهيري قبل شهرين. وهو دراما تاريخية بنيت على أحداث حقيقية وقعت خلال الساعات الـ 72 الحرجة التي سبقت إنزال نورماندي التاريخي أو (يوم الصفر) في الحرب العالمية الثانية، والذي قاده الجنرال أيزنهاور وغير وجه أوروبا والعالم بأسره وقاد الحلفاء إلى النصر والقضاء على النازية.
(الطقس لا يعيد نفسه أبداً) جملة سيكررها الضابط (جيمس ستاغ) ويتشبث بها بعناد ويدافع عنها بوصفها يقيناً. متشككاً بأحوال الطقس غير المناسبة إطلاقاً ليوم الإنزال المقرر في الخامس من حزيران 1944. وهو كبير خبراء الأرصاد الجوية البريطاني الذي تمت تزكيته للجنرال أيزنهاور من قبل الرئيس تشرشل للمساعدة في التجهيز للإنزال. لكن هذه الخبرة (السكوتلاندية) ستصطدم بخبرة ضابط رصد جوي أميركي يتشبث برأيه بعناد مماثل، مؤكداً لنظيره البريطاني أن (المعارك تُخسر حين يتسلل الشك الى الذهن) وأن الطقس سيكون هادئاً والأجواء ملائمة لعملية الإنزال، ويكاد يقول إن العصافير تزقزق.
الضغط، العنوان الذي اختاره الفيلم، لن يتوقف عند معنى الضغط الجوي، بل سيشمل بدوره الضغط النفسي العام الذي سيعمل تحت ثقله الجميع، قيادة وجنوداً وخبراء معارك وخبراء رصد جوي، والضغط النفسي الخاص الذي يتعرض له الضابط ستاغ بسبب قصف المشفى الذي تلد فيه زوجته، أضف إلى ضغط الوقت الذي قد يقلب موازين القوى العسكرية. ضغوط بالمجمل ستضع الجنرال أيزنهاور في مواجهة معضلة حقيقية للاختيار بين رأيّ خبيرين جويين متضادين بالمطلق. إما الإقدام على الإنزال في موعده مع ما قد يحمله من كارثة ومقتلة متكررة لآلاف الجنود، أو التأجيل الذي لا يقل كارثية.
عند هذه اللحظات التاريخية المفصلية، سيلعب الفكر الثاقب والاستراتيجي لمعنى القيادة ومقدرتها على اتخاذ القرار الصائب في الوقت المناسب، وذلك بانحياز الجنرال أيزنهاور لرأي جنرال الطقس البريطاني والإحجام عن عملية الإنزال في موعدها المقرر، استناداً إلى حدس خفي يقود إلى تصديق توقعاته، واستناداً أيضاً إلى الثقة بخبرة رجل (ابن بيئته)، أي جغرافيا شمال الأطلسي التي يعرف حق المعرفة طبيعة أحوالها الجوية الشهيرة بشدة تقلباتها المفاجئة، وهو ما ستبرهن عليه الطبيعة لاحقاً وتثبته بالعين المجردة وتؤجل عملية الإنزال.
لن يطول التأجيل أكثر من يوم، وستنجح عملية الإنزال يوم الثلاثاء في السادس من حزيران عند السادسة والنصف صباحاً في اختراق جدار الأطلسي. يوم واحد فقط ستتغير فيه المعطيات الجوية وتقلب المعادلات العسكرية وتفتح فجوة قدرية تقود نحو النصر. فجوة جوية ستبدو وهلة وكأنها ضربة من ضربات الحظ التي ساهمت فيها السماء، لكنها في الحقيقة، نصر مستحق للعلم والدقة والخبرة في تفسير النماذج الجوية والثقة بالمعلومات، وأيضاً الثقة بالنفس ومقدرتها على التوقع الدقيق.
اثنان وثمانون عاماً مضت على عملية إنزال نورماندي التي سجلها التاريخ كنصر مبين للحلفاء، لكن ما خلف هذا النصر، هو ما تسرده قصة هذا الفيلم الحقيقية لتؤكد أن الكثير من قصص النجاح الكبرى لم تكن فردية، وأن هناك العشرات من الجنود المجهولين ساهموا في صنع هذا النجاح، بالتفاني، والإيمان، والخبرات الواسعة، والتعاون البناء. من المهم تاريخياً الإضاءة على إنجازاتهم الخلفية الهامة كدرس مستفاد، للتأكيد على أن بعض التفاصيل الجانبية التي قد تبدو وهلة غير ذات أهمية، تشكل السبب الحقيقي والخفي للتفوق، أشبه بدور عزقة أو برغي صغير في تيسير عمل ماكينة كبيرة أو تدميرها.
في حفل تنصيبه 1961 سيسأل الرئيس جون كيندي الرئيس أيزنهاور عن سر تفوقه في يوم الإنزال، وسيجيبه بثقة: “كان لدينا خبراء أرصاد جوية أفضل من الألمان”. بهذه الجملة، سينصف الرئيس أيزنهاور جيمس ستاغ الذي منح وسام الاستحقاق الأميركي لدوره في إنجاح يوم الإنزال، الراصد الجوي الذي منح الفيلم معانٍ وجودية وفلسفية عميقة لمفهوم الرصد المناخي وعشق الطقس ومتعة قراءة بياناته وتفسير تنبؤاته.
الطقس الذي يوجه مسارات حياتنا ويعجل من تنفيذ مشاريعنا أو يؤخرها، البوصلة التي تقرر أين وكيف نعيش، المعطاء الخلاق الذي (يطعمنا). كل يوم وكل ساعة نتعامل معه بأسئلة سريعة وسطحية من مثل: هل سيكون الطقس صحواً أم عاصفاً أم مشمساً؟ هل ستمطر؟ لكن لا أحد يتوقف ليفكر ملياً ويتساءل: لماذا تمطر؟





