ربما لم تعد هذه العبارة مجرد جملة أدبية قاسية يمكن أن تقال في لحظة غضب بل باتت في بعض المشاهد التي نراها في المجتمع السوري تعبيرا صادما عن حالة من الانحدار الأخلاقي يصعب استيعابها.
ما وصل إليه بعض الناس على اختلاف مجتمعاتهم وانتماءاتهم ومناطقهم وخلفياتهم لم يعد مجرد خلافات عابرة أو خصومات شخصية
نحن أمام ظاهرة أكثر إيلاما: تحول التشهير وانتهاك الخصوصية والخوض في أعراض الناس وكشف أسرارهم إلى أدوات في الصراع بل وإلى نوع من المنافسة أحيانا.
لم يعد الأمر دائما مجرد شخص أساء إلى شخص آخر
المشهد أصبح أشبه بمباراة عبثية
أنت تشهر بي؟ سأشهر بك
أنت تكشف سري؟ سأكشف سرك
أنت تتهمني بأنني الأسوأ؟ سأثبت لك أنك أكثر سوءا
ثم تبدأ المنافسة الحقيقية
من يستطيع أن يذهب أبعد؟
من يستطيع أن يفضح أكثر؟
من يستطيع أن يهين أكثر؟
من يستطيع أن يبحث في حياة خصمه عن أكثر الأمور حساسية ليستخدمها ضده؟
وهكذا يتحول الخلاف من مواجهة بين رأيين أو موقفين إلى محاولة لتدمير الإنسان نفسه
وهنا تحديدا تكمن خطورة ما يحدث
من الخلاف إلى التشهير:
الخلاف بين البشر أمر طبيعي والسياسة بطبيعتها مليئة بالاختلاف والصراع وتضارب المصالح والرؤى
لكن هناك فارق هائل بين أن تختلف مع شخص وبين أن تحاول تدمير صورته أمام الآخرين
الخلاف السياسي يفترض أن يكون حول الفكرة والموقف والبرنامج والقرار والأداء
تقول له: أنت أخطأت هنا
وتشرح لماذا
يقول لك: أنت مخطئ هنا
ويرد عليك بالحجة
لكن عند بعض الأشخاص يبدو أن النقاش يتوقف عندما تبدأ الحجة
بدلا من مناقشة الفكرة يهاجم صاحبها
وبدلاً من تفنيد الموقف يبدأ البحث عن نقطة ضعف في حياة صاحبه
وبدلاً من السؤال: أين أخطأت في كلامك؟
يصبح السؤال
ماذا يمكنني أن أستخدم ضدك
وهنا يتحول الخلاف السياسي إلى تصفية شخصية
حين تعجز عن هزيمة الفكرة… تهاجم صاحبها:
ربما تكون هذه إحدى أكثر المشكلات وضوحا في بعض النقاشات السياسية والاجتماعية اليوم
هناك من لا يستطيع مواجهة فكرة فيبحث عن صاحبها
لا يستطيع تفنيد موقف فيفتش عن حياته الخاصة
لا يستطيع الرد على حجة فيبحث عن إشاعة
وكأن الاعتراف بأن الخصم قال شيئا صحيحا أصبح هزيمة شخصية لا يمكن تحملها
وهنا يصبح التشهير بديلا عن الحوار
والشتيمة بديلا عن الحجة
والإهانة بديلا عن النقا
والفضيحة بديلا عن السياسة
وهذه ليست قوة
إنها في جوهرها عجز عن خوض المعركة في ميدانها الحقيقي
والنساء يدفعن ثمنا أكبر:
ولعل أكثر الصور قسوة في هذه الظاهرة ما تتعرض له بعض النساء اللواتي يدخلن المجال العام سواء في السياسة أو العمل المدني أو الإعلام أو النشاط المجتمعي
فالمرأة التي تختار أن تكون حاضرة في الشأن العام قد تجد نفسها أمام نوع من الهجوم لا علاقة له بما تقوله أو تفعله
تختلف معها سياسيا فتبدأ الأسئلة عن حياتها الشخصية
تنتقد موقفها فيبحث عن علاقاتها
تختلف معها في الرأي فتظهر الإشاعات
تعترض على قرار فيتحول النقاش إلى حديث عن سمعتها وشرفها
وكأن دخول المرأة إلى المجال العام يمنح البعض الحق في تفتيش حياتها الخاصة ثم استخدام كل ما يجدونه كسلاح ضدها
وهذا ليس خلافا سياسيا
هذا هروب من السياسة إلى الشخص ومن الحجة إلى التشهير ومن الاختلاف إلى محاولة الإذلال وهذا قلة شرف بكل ما للكلمة من معنى
والأخطر أن هذا السلوك قد يتحول إلى وسيلة لإخراج النساء من المجال العام
فحين ترى امرأة ما يحدث لامرأة أخرى لمجرد أنها قالت رأيا أو اتخذت موقفا سياسيا فمن الطبيعي أن تسأل نفسها
هل يستحق دخول المجال العام كل هذا الثمن؟
وهنا يصبح التشهير ليس مجرد اعتداء على فرد وإنما وسيلة غير مباشرة لتخويف الآخرين وإبعادهم عن المشاركة
والخلاف السياسي الصحي لا يحتاج إلى فضيحة
الحجة لا تحتاج إلى شتيمة والرأي المخالف لا يحتاج إلى اغتيال السمعة
حين تصبح القذارة معيارا للمنافسة
الأخطر من وجود أشخاص يمارسون التشهير هو أن يتحول التشهير نفسه إلى لغة جماعية
عندها لا يعود السؤال
من كان أكثر عدلا؟
بل يصبح
من أوسخ من الآخر؟
هذا يقول: أنت بلا أخلاق
والآخر يرد: بل أنت بلا أخلاق
هذا يكشف فضيحة ذاك
وذاك يبحث عن فضيحة الأول
ثم يدخل الجمهور على الخط ويبدأ تداول القصص والصور والتسجيلات والاتهامات حتى يصبح الإنسان نفسه مجرد مادة للاستهلاك الاجتماعي
وفي النهاية لا ينتصر أحد
الجميع يخسر شيئا من إنسانيته والمجتمع نفسه يتحول إلى متفرج على مباراة لا ينبغي أن تبدأ أصلا
:عندما تصبح فضائح الناس وسيلة للنقد
جزء من المشكلة لا يكمن فقط في الشخص الذي يبدأ التشهير وإنما في البيئة التي تستقبله
فما الذي يجعل فضيحة تنتشر؟
لماذا تصبح قصة شخص عن حياته الخاصة أكثر جذبا من فكرته أو موقفه؟
لماذا يتسابق الناس إلى مشاركة ما يمس سمعة إنسان بينما لا يكلفون أنفسهم عناء السؤال عن صحة ما ينشر؟
هنا تتحول المشكلة من فاعل وضحية إلى منظومة كاملة
هناك من يصنع المحتوى
وهناك من ينشره
وهناك من يعلق عليه
وهناك من يسخر
وهناك من يتابع بدافع الفضول
وفي النهاية يصبح الجميع جزءا من دائرة تجعل التشهير مربحا من حيث الانتباه والتفاعل
وهكذا يتحول انتهاك خصوصية الإنسان من فعل مشين إلى مادة للفرجة
لماذا يحدث كل هذا؟
لا يمكن اختزال الظاهرة في سبب واحد
هناك الغضب المتراكم والاستقطاب السياسي والانقسامات الاجتماعية وآثار سنوات طويلة من الحرب والعنف والخوف وهناك أيضا وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت نشر الكلام والصور والمعلومات أسرع وأسهل من أي وقت مضى كل هذا ادى إلى انحدار اخلاقي رهيب وصل قاع القاع
وهناك رغبة لدى بعض الأشخاص في الانتقام أو استعادة شعور بالقوة والسيطرة
وهناك أيضا ضعف في التربية على الاختلاف أي العجز عن تقبل فكرة أن شخصاً آخر يمكن أن يختلف معك دون أن يكون عدوا لك ولو كان عدوا فهناك شرف الخصومة
لكن ربما يكون الأخطر من كل ذلك هو اعتياد المشهد
أن نرى التشهير فلا نصدم
أن نرى انتهاك الخصوصية فنضحك
أن نرى إنسانا يرمى باتهامات تمس عرضه وسمعته فنبحث عن التفاصيل بدلا من أن نسأل: هل هذا صحيح؟
عندها لا يعود الفاعل وحده جزءا من المشكلة:
المتفرج أيضا يصبح جزءا منها
لا تجعل خصمك يحدد أخلاقك
وهنا نصل إلى النقطة الأهم
هناك قاعدة أخلاقية بسيطة يبدو أننا بحاجة إلى تذكير أنفسنا بها باستمرار
إذا كان خصمك بلا شرف فهذا لا يعني أن تتحول أنت إلى شخص بلا شرف
إذا ظلمك، فلا تظلمه
إذا شهر بك فلا تجعل التشهير به ردك الوحيد
إذا تجاوز حدود الخصومة فلا تجعل تجاوزه مبررا لأن تتجاوز أنت أيضاً
لأن هناك فخا خطيرا في مثل هذه المعارك
تبدأ وأنت تقول
«هو بدأ»
ثم تقول
«أنا فقط أرد عليه»
ثم تجد نفسك تفعل الشيء نفسه الذي كنت تدينه بالأمس
وهنا تكون قد خسرت المعركة الأخلاقية قبل أن تعرف أنك دخلتها أصلا
فالإنسان لا يختبر فقط عندما يعامله الآخرون باحترام
الاختبار الحقيقي يكون عندما يساء إليه
هل يستطيع أن يدافع عن نفسه دون أن يتحول إلى نسخة ممن أساء إليه؟
هل يستطيع أن يرد دون أن يهدم كل الحدود التي كان يؤمن بها؟
هل يستطيع أن يقول
«لن أفعل بك ما أرفض أن يفعله أحد بي»
ليس مطلوبا منك أن تكون ضعيفا
وليس مطلوبا منك أن تسكت عن الظلم
وليس مطلوبا منك أن تقبل الإهانة أو التشهير أو الافتراء
لكن هناك فارقا بين الدفاع عن النفس وبين الانتقام وبين استعادة الحق وبين الرغبة في إيذاء الآخر بأي وسيلة
لا تجعل خصمك يحدد أخلاقك:
إذا كان هو مستعدا للنزول إلى الوحل فليس عليك أن تنزل وراءه
لأنك إذا نزلت إلى المستوى نفسه وبدأ كل طرف يتبادل الشتائم والفضائح والتشهير فما الذي بقي من الفرق بينكما؟
في نهاية هذا النزال قد يظن كل طرف أنه انتصر لأنه أوجع الآخر أكثر
لكن الحقيقة أن الاثنين قد يخسران الشيء نفسه
القدرة على أن يكونا أفضل من أسوأ ما فعله بهما خصمهما
المشكلة ليست في الاختلاف… بل في الطريقة التي نختلف بها.
ليس المطلوب أن يصبح الناس متشابهين
ولا أن يتوقفوا عن الخلاف السياسي أو الاجتماعي
ولا أن نعيش جميعاً وفق رأي واحد
الاختلاف ضرورة والسياسة بطبيعتها اختلاف والمجتمع الحي هو المجتمع الذي يستطيع أفراده أن يختلفوا دون أن يتحول كل اختلاف إلى حرب شخصية
المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان مستعدا لتدمير خصمه بدلا من مناقشته
وعندما يصبح شرف الإنسان وخصوصيته وحياته الخاصة أدوات في الصراع
وعندما تصبح المرأة التي تعمل في الشأن العام هدفا أسهل للهجوم لأن البعض لا يستطيع مواجهة موقفها
وعندما يصبح الجمهور مستهلكا للفضيحة لا رافضا لها
وعندما يصبح الرد على القذارة قذارة أخرى
عندها لا نكون أمام مجرد خلافات بين أفراد
نكون أمام تآكل تدريجي لفكرة الحدود الأخلاقية نفسها
ولهذا ربما يجب أن نتوقف عن سؤال
«من بدأ؟»
ونسأل سؤالا أكثر أهمية
الى أي حد سنسمح لأنفسنا بالانحدار بحجة أن الطرف الآخر بدأ؟
لأن وجود أشخاص سيئين في أي مجتمع ليس هو الكارثة
الكارثة أن يصبح سلوكهم نموذجا يحتذى
أن يتحول التشهير إلى وسيلة طبيعية للخلاف
أن تتحول الفضيحة إلى ترفيه
أن تتحول الخصومة السياسية إلى اغتيال للسمعة
وأن يبرر كل طرف أخلاقه السيئة بأخلاق خصمه السيئة
عندها لا يعود السؤال
من انتصر؟
بل يصبح السؤال الأكثر قسوة
كم خسرنا جميعا من إنسانيتنا ونحن نحاول الانتصار على بعضنا؟
وربما هنا تحديدا تصبح العبارة أكثر من مجرد اقتباس
الجحيم فارغ… فكل الشياطين هنا
لكن أسوأ ما يمكن أن نفعله هو أن نثبت صحة العبارة بأن نقرر جميعا أن نصبح شياطينا فقط لأن شخصاً آخر سبقنا إلى ذلك





