هل تطاردُ دمشقُ سراباً؟ فإسرائيلُ لا ترى للاتفاقِ حوافزاً ولا أسباباً

مقالة ,

بعد استسلام حماس، فإن المشهد الجيوسياسي الذي ظهر خلال المرحلة الماضية، بدأ بالتلبور فعلاً على أرض الواقع.

بنظري، بعد هذا الاتفاق، حقق نتنياهو نصراً ساحقاً في غزة، لكن هذا النصر لم يكن على الوكيل، أي حماس، فحسب، وإنما على الأصيل أيضاً، أي إيران، بصورةٍ أو بأخرى. وسيستثمر بيبي هذا الإنجاز انتخابياً في الداخل الإسرائيلي.

لكن، وقبل الوصول للانتخابات، سيُصعّد نتنياهو خلال الشهرين المقبلين ضغوطه السياسية والعسكرية في الملف اللبناني إلى الحد الأقصى، مستفيداً من الضغط العسكري الأمريكي المتواصل على إيران. حيث يراهن أن ذلك سيدفع طهران إلى تقديم تنازلٍ إضافي، تبيعُ فيه حزب الله، بما يفتح الباب أمام تقدم المفاوضات الإسرائيلية مع لبنان الرسمي. وزيارة كُلٍ مِن عون ونتنياهو إلى الولايات المتحدة خلال الأيام الأخيرة، لا يمكن فصلها عن هذا المشهد الجيوسياسي الذي أخذ في التبلور مؤخراً.

أما في سوريا، فالمعادلة مختلفة. فسوريا لم تعد جزءً من المحور الإيراني الذي تركز إسرائيل جهودها على قطع أذرعه، كما أن التصور السائد حتى لدى المعارضة الإسرائيلية، والمرشحين الأبرز لخلافة نتنياهو مثل غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت، يقوم على عدم التوسع داخل الأراضي السورية، ولكن في الوقت نفسه عدم الانسحاب مبدئياً من المنطقة العازلة، وضمان خلو الجنوب السوري من أي قوات حكومية أو سلاح تعتبره إسرائيل معادياً.

وهذا يعني أن نتنياهو لا يملك أي حافز يدفعه إلى إبرام اتفاق مع الحكومة السورية. كما أن وجود قواته في سوريا، والاختراقات التي تقوم بها دوريات الجيش الإسرائيلي بشكل شبه أسبوعي وحتى يومي في الجنوب السوري، تهدف برأيي لإظهار أن الدولة السورية عاجزة عن تقليل احتمالات أي تصعيد، بالتالي عاجزة عن توفير الأمن المستدام. ولذلك، من المرجح أن يحافظ على وجوده العسكري كما هو في المنطقة العازلة، وأن يبقي السويداء ورقةً بيده.

وهذا، في تقديري، الهدف الاستراتيجي الأهم لإسرائيل في سوريا؛ هدفٌ جيوسياسي وجيواقتصادي بالدرجة الأولى، أكثر منه هدفاً توسعياً. إذ إن امتلاك إسرائيل نفوذاً دائماً في الجنوب السوري يمنحها القدرة على تهديد أي مشروع يربط سوريا جيواقتصادياً بالخليج العربي أو يحولها إلى ممر تجاري مستقر، وكما نعرف؛ فإن كامل التصور الاقتصادي للسلطة المؤقتة يرتكز على قيام هذا الممر وعلى الرهان على الاستثمار الأجنبي.

إذاً، في ظل هذا الواقع، ستبقى سوريا عاجزة عن إطلاق مشاريع اقتصادية واستراتيجية كبرى؛ لأن أي استثمار طويل الأجل، يحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة، ومن دون اتفاقٍ أمنيٍ مع إسرائيل، ومع استمرار غياب السيطرة الكاملة على الجنوب السوري، ستظل هذه البيئة غير متوافرة. لذلك، يصبحُ الحديث عن نهضة اقتصادية واسعة في سوريا أقرب إلى الأمنيات المتفائلة والتسويقية منه إلى القابل للتحقق ما دامت العقدة الأمنية والسياسية قائمة، حتى لو توفرت الإرادة وفرص إيجاد التمويل.

برأيي، إسرائيل لم تنجح ميدانياً فحسب، بل نجحت سياسياً أيضاً في إدارة مصالحها في الملف السوري، فكما توقعت قبل فترةٍ أيضاً أن دور توم برّاك في الملف السوري سيجري تحجيمه نتيجة ضغوطات إسرائيلية، حصل ذلك فعلاً، فمنذ أن جرى إبعاد برّاك بعد نهاية بعثته روتينياً نهاية أيار الماضي، ثم إعادة تعيينه مبعوثاً رئاسياً لكل من العراق وسوريا، نجد أنه غاب تماماً عن المشهد السوري، لا زيارات، لا تصريحات، ولم يحضر حتى حفل توقيع الاتفاقية التي رعتها أمريكا بين سوريا والعراق لإعادة إحياء خط كركوك-بانياس قبل أسبوعين.

فاقتصرت فعالية برّاك منذ أن تمت إعادة تعيينه كمبعوث رئاسي على العراق فقط، وغاب في سوريا. بالحقيقة، كان برّاك قد سبق أن جرى تهميشه وتحجيم دوره بصورة شبه مماثلة، عندما كان مبعوثاً إلى لبنان، في مرحلةٍ اعتبرت فيها إسرائيل جهوده عائقاً أمام تحقيق أهدافها في لبنان. الأمر ذاته حصل في سوريا.

هذا الضعف الميداني والتفاوضي السياسي للسلطة الانتقالية، هو ما يتسبب في محاولاتها اليائسة للحديث باستمرار عن رغبتها بالاتفاق. وبنظري كلام الشرع على الجزيرة قبل أيام، وتركيزه على إظهار الاستعداد للحوار مع إسرائيل، في أكثر من موضع، لهوَ دليلٌ واضح على اليأس والعجز، لأن هذه الغزل أقرب إلى إعلان أحدهم للحُب؛ لكنه يبق حُباً من طرفٍ واحد.

المشهد معقد، وإسرائيل تحقق أهدافها، بالنسبة لسوريا سيكون تحصيل أي تنازل مهما كان صغيراً من إسرائيل في هذه الظروف صعباً للغاية، بل أشبه إلى المستحيل، فلا مصلحة حقيقية لإسرائيل في الوصول لأي اتفاق، فلا يوجد اتفاق يمنحها مكاسباً ويوفر لها الحرية التي تتمتع بها الآن، لأن أي اتفاق سيتضمن تنازلاتٍ هي غير مضطرة لتقديمها.

وبالطبع، ما يزيد المشهد تعقيداً، أن السلطة السورية نفسها أسهمت في الوصول إلى هذه النتيجة؛ بتهورها في السويداء، ووقوعها في الفخ الإسرائيلي، وارتكابها مجازر طائفية مُروعة وبشعة بحق أبناء محافظة سورية، الأمر الذي منح إسرائيل ذرائعاً إضافية لتكريس نفوذها وتعزيز موقعها التفاوضي. وحتى أن السلطة بسبب قصر نظرها، لم تسعَ إلى إصلاح ذات البين مع المواطنين السوريين أبناء السويداء، فهي حرمت أطفالهم من تقديم الإمتحانات، ولاتزال تفرض عليهم حصاراتٍ متفاوتة على عدة أصعدة.

وبناءً على كل ما سبق، برأيي، تجد السلطة نفسها اليوم، إلى حدٍ كبير، تحت رحمة إسرائيل، ليست السويداء في هذا الواقع الملف الوحيد. السلطة ضيّقت على نفسها هامش المناورة، وأصبحت قدرتها على تغيير الوقائع الميدانية والسياسية أكثر محدودية من أي وقت مضى.

مقالات للكاتب/ة