شهد عقدا الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت قفزة نوعية في قضايا المرأة في عدد من الدول العربية من أبرزها مصر وسوريا والأردن وتونس ولبنان والعراق. بحيث انتقلت النساء، وبعد نضال نسوي طويل، من صفوفهن الخلفية إلى الصفوف القيادية الأمامية، وحصلن تباعاً على عدد من الحقوق الهامة من أبرزها حقيّ التصويت والترشح، إضافة إلى عدد كبير من المكتسبات الدستورية والقانونية والاجتماعية والسياسية.
يمكن وصف هذين العقدين بالمرحلة الذهبية للنساء العربيات، وبخاصة من حيث توافقهما مع التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى التي سادت في تلك المرحلة وإرادة سياسية جادة تبنت قضايا المرأة كجزء من مشروع تحديث المجتمع وبناء الدولة، وأفسحت لهنّ في المجال لاستمرار نضالهن لأجل تحقيق المزيد من المكتسبات والمساواة وعدم التمييز والمواطنة الكاملة والدفع لاقتحام معظم مجالات العمل وفرص التعليم العالي التي كانت مسدودة أمامهن لعقود.
مناخ سياسي عام ترافق بمناخ فكري ثقافي ذي توجهات تحررية، تبنى قضايا المرأة ومظلوميتها التاريخية وشارك في التعبير عنها عبر الإعلام والأدب والفنون والسينما، وبخاصة في مصر رائدة الفنون التي صدّرت للعالم العربي أفكاراً تنويرية عبر الأدب والعديد من الأفلام السينمائية التي تخطت عصرها وتعتبر اليوم من أهم كلاسيكيات السينما المتعلقة بمواضيع تحرر المرأة وحقوقها المشروعة.
أخص السينما بالذات بوصفها الحامل الأكثر جاذبية في تلك المرحلة والأسهل وصولاً إلى المجتمعات العربية، وبوصفها أيضاً كانت طقساً عائلياً فريداً أدرك عدد من الكتّاب والمخرجين المثقفين أهمية تسخيره وتضمينه العديد من الأفكار المتعلقة بمواضيع المرأة، وصياغتها بمزيج من عناصر الدراما التي ترضي الجمهور واحترام العادات والتقاليد، بحيث تصل الفكرة متوازنة ومقبولة اجتماعياً، وباختيارات دقيقة لنجمات ونجوم تلك المرحلة الأكثر جاذبية وجماهيرية.
يصعب حصر العدد الكبير من هذه الأفلام، لكني أتوقف عند أبرزها ممن ترك أثره في ذاكرة جيلي الستينيات والسبعينيات، وحمل اسم (للرجال فقط). وهو فيلم منتج في العام 1964 من بطولة سعاد حسني وناديا لطفي. يحكي قصة مهندستي جيولوجيا تُمنعا من المشاركة في التنقيب عن النفط في أحد المواقع المخصصة للمهندسين الرجال. تتنكر كل منهما بهيئة رجل وتلتحقا بموقع التنقيب، لتنجحا في مهمتهما وتساهما باكتشاف النفط في الموقع قبل أن يكتشف أمريهما.
صيغ الفيلم بأسلوب العصر، بحيث تم تغليف موضوعه بقالب من الكوميديا اللطيفة والعواطف الجياشة والتشويق وختمه بنهاية سعيدة ترضي الجمهور. ليثبت ضمن هذه التوليفة الذكية كفاءة المرأة في الحصول على شهادات علمية عالية واقتحامها لتخصصات حديثة العهد، وأهمية المساواة في فرص العمل وأيضاً كسر الصورة النمطية عن ضعف النساء في الخوض ببعض مجالات العمل وكسر الاحتكار المهني.
اليوم، وبعد قرابة ستة عقود، ستجد النساء في معظم مجالات العمل ويتبوأن العديد من مراكز صنع القرار في بعض الدول، وستجد أعدادهن وقد تضاعفت عشرات المرات في سوق العمل الحكومي والخاص. وستعثر على مئات الأفلام السينمائية العربية وأيضاً الدراما التلفزيونية التي تتناول قضايا المرأة وحقوقها ونضالها. بحيث يمكنك أن تعتبر أن المشهد النسائي العام بخير وعافية والعصافير تزقزق. لكنك حين تتعمق في المشهد أكثر ستكتشف تراجعاً ملفتاً على عدة مستويات.
ففي الوقت الذي انخرطت به معظم النساء في العمل، كانت الحاجة والاضطرار القسري للعمل يشكّلا الدافع الرئيسي للعمل وليس الرغبة الحقيقية أو اعتبار العمل حقاً مشروعاً للمرأة. وهي الفئة الأكثر تضرراً بين النساء حيث صرن يعملن في مجالات عدة إما أنها لا تتناسب مع تعليمهن إن وجد، أو لا تحقق شروط العمل الآمنة والصحية، أضافة إلى أجور هشة أو متدنية قياساً بالأجور التي يحظى بها الذكور.
صيغ الفيلم بأسلوب العصر، بحيث تم تغليف موضوعه بقالب من الكوميديا اللطيفة والعواطف الجياشة والتشويق وختمه بنهاية سعيدة ترضي الجمهور. ليثبت ضمن هذه التوليفة الذكية كفاءة المرأة في الحصول على شهادات علمية عالية واقتحامها لتخصصات حديثة العهد، وأهمية المساواة في فرص العمل وأيضاً كسر الصورة النمطية عن ضعف النساء في الخوض ببعض مجالات العمل وكسر الاحتكار المهني.





