التعذيب مستمر: إرث الأسد الذي لم يُكسر بعد، وتهديد مباشر لأي انتقال حقيقي

مقالة

لم يعد بالإمكان التعامل مع جرائم التعذيب كحوادث فردية أو تجاوزات معزولة. ما جرى في القامشلي ودير الزور ليس إلا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من العنف الممنهج الذي لم يتوقف، رغم كل الحديث عن “مرحلة انتقالية” و”بناء مستقبل مختلف”. الحقيقة الصادمة هي أن التعذيب في سوريا لم ينتهِ، بل تغيّرت وجوه مرتكبيه فقط.

على مدار 54 عامًا من حكم عائلة بشار الأسد ومن قبله والده، لم يكن التعذيب انحرافًا، بل كان سياسة دولة. عشرات الآلاف من السوريين قضوا تحت التعذيب في السجون، في واحدة من أبشع منظومات القمع في التاريخ الحديث. هذا الإرث الثقيل لم يُفكك، ولم تُحاسَب أدواته، بل تُرك لينتقل ويتكيّف ويُعاد إنتاجه.

اليوم، حين يموت مواطن تحت التعذيب في القامشلي، وآخر في دير الزور، فإننا لا نواجه فقط جريمة، بل نواجه فشلًا ذريعًا في كسر هذه المنظومة. إن استمرار هذه الانتهاكات يعني أن كل الحديث عن الانتقال السياسي هو مجرد غطاء هش فوق بنية أمنية لم تتغير في جوهرها.

الخطر هنا وجودي، لا سياسي فقط. لا يمكن لأي مرحلة انتقالية أن تنجح بينما التعذيب مستمر. لا يمكن بناء ثقة بين المجتمع والسلطة في ظل غرف التحقيق التي تتحول إلى مقابر. ولا يمكن الحديث عن “سلم أهلي” بينما يشعر المواطن أن حياته يمكن أن تنتهي تحت التعذيب دون أي مساءلة.

إن التأخير المستمر في إطلاق مسار العدالة الانتقالية هو أحد الأسباب الرئيسية لهذا الانهيار. غياب المحاسبة خلق بيئة مثالية للإفلات من العقاب، وأرسل رسالة واضحة: لا أحد سيُحاسب. هذه الرسالة هي الوقود الحقيقي لاستمرار الجرائم.

الأمر لا يقف عند الداخل فقط. فالقضية المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية ضد الحكومة السورية السابقة، والمتعلقة بانتهاكات اتفاقية مناهضة التعذيب، تضع سوريا أمام اختبار قانوني وأخلاقي مستمر. هذه المسارات الدولية لن تتوقف، بل قد تتوسع، إذا لم تُظهر أي سلطة قائمة التزامًا حقيقيًا بمنع التعذيب ومحاسبة مرتكبيه. بمعنى آخر: استمرار التعذيب اليوم لا يهدد الداخل فقط، بل يضع البلاد في مواجهة مستمرة مع القانون الدولي.

أما الحديث عن “العقد الاجتماعي الجديد”، فهو يفقد أي معنى في ظل هذه الوقائع. أي عقد هذا الذي لا يضمن أبسط حقوق الإنسان: ألا يُعذَّب حتى الموت؟ وأي دولة يمكن أن تقوم على الخوف بدل العدالة؟ العقد الاجتماعي لا يُبنى بالشعارات، بل بالفعل الحاسم: حماية الإنسان، ومحاسبة من ينتهك كرامته.

السلم الأهلي نفسه أصبح على المحك. المجتمعات لا تنسى، والظلم المتكرر دون إنصاف يتحول إلى احتقان، ثم إلى انفجار. الاستمرار في هذا النهج يعني زرع بذور صراعات قادمة، لا إنهاء صراعات الماضي.

من هنا، تصبح المسؤولية مباشرة وواضحة: على وزارة الداخلية أن تتحرك فورًا وبحزم. ليس ببيانات عامة، ولا بوعود مؤجلة، بل بإجراءات ملموسة:
فتح تحقيقات شفافة، محاسبة علنية للمتورطين، إغلاق مراكز الاحتجاز الخارجة عن القانون، ووضع آليات رقابة صارمة تمنع تكرار هذه الجرائم.

أي تهاون في هذا الملف هو تواطؤ غير مباشر. وأي تأخير هو استمرار للجريمة بوسائل أخرى.

لقد دفع السوريون ثمنًا هائلًا لكسر منظومة التعذيب، ولا يمكن القبول بإعادة إنتاجها تحت أي مسمى. الرسالة يجب أن تكون واضحة وصريحة: إما القطيعة الجذرية مع هذا الإرث، أو السقوط في استمراره—بكل ما يحمله من عنف، وانهيار، وفقدان لأي أمل في مستقبل عادل.

مقالات للكاتب/ة