بعد مرور عامٍ ونصف على سقوط نظام بشار الأسد، لم يعد السؤال المطروح في سوريا هو كيف تم إسقاط الاستبداد، بل كيف يمكن منع عودته بأشكال جديدة. فالتجارب المقارنة تُظهر أن لحظة ما بعد السقوط ليست نهاية الصراع، بل بدايته بصيغة مختلفة، حيث تتقاطع رهانات العدالة مع ضرورات الاستقرار، وتتنازع الدولة الناشئة إرث الماضي وضغوط الحاضر. وفي هذا السياق، تبدو التحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية في سوريا بنيوية وعميقة، إلى حد يفرض إعادة التفكير في مقاربتها من الأساس.
أولى هذه التحديات تتمثل في غياب تصور واضح ومتكامل للعدالة الانتقالية، وهي الفجوة التي تنعكس مباشرة على ثقة السوريين بمؤسسات المرحلة الجديدة. فالعدالة هنا لا تعني فقط محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بل تشمل أيضًا كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإعادة الاعتبار للضحايا، وضمان عدم التكرار. غير أن هذا المسار، كما تؤكد أدبيات الأمم المتحدة، يفقد معناه عندما يتم تجزئته أو إخضاعه لاعتبارات سياسية ضيقة. وفي الحالة السورية، لا يزال هذا المسار هشًا، مترددًا، وأحيانًا أقرب إلى الخطاب منه إلى الفعل.
لكن التحدي الأكبر ربما يكمن في التوازن الصعب بين الاستقرار والمساءلة. ففي لحظات الانتقال، تميل بعض القوى إلى تفضيل “التهدئة” على حساب العدالة، عبر صفقات سياسية أو إعادة إدماج شخصيات مرتبطة بالنظام السابق داخل مؤسسات الدولة. ورغم أن هذا النهج قد يبدو براغماتيًا على المدى القصير، إلا أنه يحمل في طياته خطرًا كبيرًا يتمثل في تقويض شرعية الدولة الجديدة. فالدولة التي لا تحاسب، أو التي تؤجل العدالة إلى أجل غير مسمى، تخاطر بفقدان ثقة مواطنيها، وتفتح الباب أمام إعادة إنتاج شبكات النفوذ القديمة.
في المقابل، لا يمكن إنكار التحديات الواقعية التي تواجه أي مسار مساءلة شامل، سواء من حيث ضعف المؤسسات القضائية، أو تعقيد المشهد الأمني، أو التدخلات الإقليمية والدولية. لكن هذه التحديات، على صعوبتها، لا تبرر التخلي عن العدالة، بل تستدعي البحث عن صيغ مبتكرة لتحقيقها، مثل إنشاء آليات هجينة تجمع بين القضاء الوطني والدولي، أو اعتماد مسارات تدريجية توازن بين المحاسبة والاستقرار دون التضحية بأي منهما.
إلى جانب ذلك، تبرز مسألة إعادة بناء الثقة كمحور أساسي لنجاح المرحلة الانتقالية. فالسوريون، بعد سنوات من العنف والانقسام، لا يحتاجون فقط إلى مؤسسات جديدة، بل إلى شعور حقيقي بأن هذه المؤسسات تمثلهم وتحميهم. وهذا يتطلب شفافية في اتخاذ القرار، ومشاركة فعلية للمجتمع المدني، وإشراك الضحايا في صياغة السياسات، لا الاكتفاء باعتبارهم موضوعًا لها. فالتجارب الدولية تُظهر أن الانتقال لا ينجح عندما يُفرض من الأعلى، بل عندما يُبنى من القاعدة الاجتماعية.
كما أن البعد الاقتصادي لا يقل أهمية عن البعد القانوني والسياسي. فالفقر، والبطالة، وانهيار البنية التحتية، كلها عوامل تهدد استقرار المرحلة الانتقالية، وقد تدفع شرائح واسعة من المجتمع إلى البحث عن حلول سريعة، حتى لو كانت على حساب العدالة. لذلك، فإن أي استراتيجية ناجحة يجب أن تربط بين الإصلاح الاقتصادي وجبر الضرر، بحيث يشعر المواطن أن التغيير لا يقتصر على الشعارات، بل ينعكس في حياته اليومية.
ولا يمكن تجاهل دور الذاكرة والاعتراف في هذا السياق. فالمجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى سردية مشتركة حول ما حدث، لا بهدف الانتقام، بل لمنع التكرار. وهذا يتطلب آليات لكشف الحقيقة، وتوثيق الانتهاكات، والاعتراف الرسمي بمعاناة الضحايا. فبدون هذا الاعتراف، تبقى الجراح مفتوحة، ويظل الماضي حاضرًا في الحاضر، مهددًا أي محاولة لبناء مستقبل مختلف.
في النهاية، لا توجد وصفة جاهزة لنجاح المرحلة الانتقالية في سوريا. لكن ما هو مؤكد أن تجاوز التحديات الكبرى يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ورؤية شاملة لا تختزل العدالة في المحاسبة، ولا الاستقرار في الصمت. فالمعادلة الصعبة، لكنها الضرورية، هي بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها، ومحاسبة من انتهك حقوقهم، وفي الوقت نفسه توفير شروط العيش الكريم لهم.
بعد عامٍ ونصف على سقوط النظام، لا يزال الوقت متاحًا لتصحيح المسار، لكن هذا الهامش يضيق تدريجيًا. وإذا لم يتم استثماره في بناء عدالة حقيقية وشاملة، فإن خطر الانتكاس سيظل قائمًا، ليس فقط كاحتمال نظري، بل كمسار قد يعيد إنتاج ما ظن السوريون أنهم تجاوزوه






