منذ يوم التحرير وسقوط نظام الأسديين، وجدت السوريات والسوريون أنفسهم أمام مشهدٍ بدا وكأنه بداية فصلٍ طال انتظاره.
ورغم التباينات، كان هناك شبه إجماع صامت “لنمنح الفرصة”.
لم يكن ذلك انحيازًا أعمى، ولا تفويضًا مفتوحًا، بل مزيجًا من الخوف من الفوضى، والرغبة في الاستقرار، والحاجة إلى التقاط الأنفاس بعد سنواتٍ من الألم الممتد.
التفّ الناس حول بعضهم، وقبلوا “ولو على مضض” بحكومة أمر واقع، وبمسارات سياسية لم تكن مثالية، من مؤتمر الفصائل إلى الإعلان الدستوري، وصولًا إلى تشكيل حكومةٍ بدت آليات تمثيلها أقرب للتعيين منها للاختيار.
ومع ذلك، ظل التفاؤل حاضرًا “لا شيء سيكون أسوأ مما مضى”.
لكن ما لم يُحسب جيدًا، أن هذا الشعب قد يصبر… لكنه لا ينسى.
لم تنسَ السوريات والسوريون وعود ناقلات النفط والغاز التي قيل إنها ستصل خلال أيام “ولا تزال الأيام تُعدّ”.
لم ينسوا وعود زيادة الرواتب التي سبقت فهم الواقع الاقتصادي، فابتلعها التضخم قبل أن تُلمس.
لم ينسوا المشاريع التي أُعلن عنها كتحولات كبرى، ثم بقيت في حدود الخطاب.
ولم ينسوا، قبل كل ذلك، العدالة… ولا من غابوا، ولا ما دُمّر.
انتظروا العدالة الانتقالية، فوجدوا مساراتٍ بطيئة ومربكة.
انتظروا السلم الأهلي، فوجدوا تسويات تُفهم بأكثر من وجه.
انتظروا دولة قانون، فبدأت ملامح الانتقائية تُقلق كثيرين.
وهنا بدأ البحث عن “جودو”…
ليس لأن الأمل خطأ، بل لأن الانتظار حين يتحول إلى سياسة، يصبح عبئًا.
نعم، من الإنصاف أن نقول إن هناك ما تحقق
رُفعت العقوبات، لم تُقسّم البلاد، عاد كثيرون إلى وطنهم، واتسع هامش الكلام والنقد
وهذه حقائق لا يجوز إنكارها
لكن التحدي الحقيقي يبدأ من هنا في واقع اقتصادي يضغط على السوريات والسوريين، حيث الفجوة تتسع بين الدخل وكلفة الحياة نتيجة قرارات لم تُدرس بما يكفي وفي شعورٍ متزايد بأن العدالة تُؤجَّل، وأن بعض المسارات تُدار بمنطق المساومة لا الحسم
واليوم يستعدّ جزء من هذا الشعب للخروج يوم الجمعة، في اعتصام الجلاء
لا لإسقاط، ولا لمواجهة، بل لتذكير بسيط “أن الكرامة المعيشية، ودولة القانون، ليستا مطالب مؤجلة”
وهنا، الحديث موجّه بهدوء إلى أبناء وبنات الثورة، بكل مواقعهم
إلى من اختاروا الوقوف إلى جانب السلطة الجديدة، بدافع الحفاظ على الاستقرار أو الخوف من الانزلاق أو قناعةً بالمسار
هذا موقف مفهوم… لكن ما يحتاج مراجعة، ليس الموقف، بل اللغة التي نستخدمها لحمايته
حين يتحول كل صوت مختلف إلى “فلول”
فالمشكلة لا تكون في الناس… بل في المسار
هل نتذكر كيف بدأت القصة
كيف تحوّل المطالبون بالحرية يومًا إلى “مندسين” فـ “جراثيم”، ثم إلى “عملاء ومجسمات الجزيرة”، ثم إلى “إرهابيين”
لم تكن المشكلة فقط في التوصيف، بل في أن باب الحوار أُغلق مبكرًا
اليوم، لا أحد يريد إعادة تلك الحلقة
الذين قد يخرجون يوم الجمعة ليسوا كتلة واحدة، ولا يمكن اختصارهم بكلمة
فيهم من دعم، وفيهم من صبر، وفيهم من لا يزال يؤمن بإمكانية التصحيح
وخروجهم لا يعني خصومة، بل محاولة مشاركة في رسم المسار
والأهم أن الذين سيخرجون يوم الجمعة القادم في “اعتصام الجلاء المزمع ” ليسوا “فلولاً”.
فالفلول الحقيقيون يتسللون الآن إلى مفاصل الدولة ويوقعون “المصالحات” من خلف ظهر الشعب.
القضية ليست مع أو ضد
بل مع فكرة أن هذا البلد لا يمكن أن يُدار بمنطق التخندق، ولا أن يُبنى بإقصاء الصوت المختلف
السؤال الحقيقي ليس “من على حق”
بل “كيف لا نكرر نفس الأخطاء”
كم من الوقت نطلب من الناس أن تنتظر
وكم مرة نقول “ليس الآن”
وكم مرة نراهن على أن الحل سيأتي من الخارج، أو من الأعلى، أو من شخصٍ ما
ربما الحقيقة الأبسط، والأثقل
لا أحد سيأتي
لا “جودو”… ولا غيره
ما سيحدث، سيتحدد بقدرتنا على أن نختلف دون أن نتخون
أن نطالب دون أن نهدم
وأن ندعم دون أن نصمت عن الخطأ
إن كنت مؤمنًا، فقول الحق واجب
وإن لم تكن، فصوتك حق
إن اخترت دعم السلطة، فليكن دعمًا واعيًا لا يُلغي الآخرين
وإن اخترت النقد، فليكن نقدًا يبني ولا يكسر
ما يحدث اليوم ليس أزمة عابرة، بل مخاض ولادة مساحة سياسية جديدة، لا تقوم على الاصطفاف الحاد، بل على التوازن والمسؤولية
وفي هذه المساحة
لن يكون السؤال “هل سيأتي جودو”
بل “هل نملك الشجاعة لنتوقف عن انتظاره… ونبدأ بالفعل”




