في اللحظة التي تقف فيها سوريا على عتبة مرحلة انتقالية جديدة، لا يبدو تشكيل مجلس شعب جديد مجرد استحقاق سياسي عابر، بل اختبارًا حقيقيًا لفكرة الدولة نفسها: هل يمكن الانتقال من حكم مركّز في يد السلطة إلى نظام تُوزَّع فيه الصلاحيات وتُمارس فيه الرقابة؟ أم أن المؤسسات ستُعاد صياغتها لتؤدي الدور ذاته بأسماء مختلفة؟
في مثل هذا السياق، لا يمكن النظر إلى المجلس القادم بوصفه هيئة تشريعية تقليدية، بل باعتباره حجر الزاوية في إعادة ضبط الحياة السياسية. فالتحدي الأكبر لا يكمن فقط في سنّ القوانين، بل في إعادة الاعتبار لمبدأ الفصل بين السلطات، الذي غاب فعليًا لعقود. إن أول ما يُنتظر من المجلس هو أن يمارس دورًا رقابيًا حقيقيًا على السلطة التنفيذية، لا أن يكتفي بالمصادقة على قراراتها. فغياب الرقابة كان أحد أبرز ملامح النظام السابق، وإعادة إنتاج هذا الغياب، ولو بصيغ مخففة، تعني عمليًا إفراغ أي انتقال سياسي من مضمونه.
الرقابة هنا لا تعني المواجهة من أجل المواجهة، بل تعني فرض قواعد واضحة للمساءلة: استجوابات علنية، لجان تحقيق مستقلة، وشفافية في إدارة الملفات الحساسة، من الأمن إلى الاقتصاد. في بلد عانى من تغوّل الأجهزة التنفيذية، يصبح البرلمان مطالبًا بأن يكون الجهة التي تعيد التوازن، وتمنع انزلاق السلطة نحو احتكار القرار مجددًا، خاصة في ظل هشاشة المرحلة الانتقالية وتعدد مراكز النفوذ.
إلى جانب الرقابة، يبرز الدور التشريعي بوصفه أداة لإعادة بناء العقد الاجتماعي. غير أن التشريع في هذه المرحلة لا يمكن أن يكون مجرد عملية تقنية، بل يجب أن يستند إلى معايير دستورية واضحة تُحدد سقف السلطة وتحمي الحقوق. فالمشكلة في التجربة السورية لم تكن في غياب القوانين، بل في غياب التزامها بروح دستورية حقيقية. لذلك، فإن المجلس مطالب بأن يضع لنفسه معيارًا صارمًا: لا قانون يُقرّ ما لم يكن منسجمًا مع مبادئ الحرية والمساواة وسيادة القانون.
ومن هنا تأتي أهمية ضبط الفوضى التي قد تنشأ عن تداخل الصلاحيات والخلط بين السلطات، وهي ظاهرة مرشحة للظهور بقوة في المراحل الانتقالية. فمع غياب مرجعيات مستقرة، قد تميل السلطة التنفيذية إلى توسيع نطاق تدخلها، بينما قد يجد البرلمان نفسه منجذبًا إلى أدوار تتجاوز اختصاصه. إن مهمة المجلس، في هذا السياق، ليست فقط الدفاع عن صلاحياته، بل أيضًا احترام حدودها، والعمل على ترسيخ ثقافة مؤسساتية تقوم على التوازن لا التنافس غير المنضبط.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن يضطلع المجلس بدور حاسم في مواجهة خطاب الكراهية والانقسام، الذي تغذّى خلال سنوات الحرب. فالتشريع هنا ليس مجرد نص قانوني، بل أداة لحماية السلم الأهلي، شرط ألا يتحول إلى وسيلة لتقييد الحريات أو إسكات الأصوات المعارضة. التحدي يكمن في صياغة قوانين تجرّم التحريض دون أن تجرّم الاختلاف، وتحصّن المجتمع دون أن تخنقه.
أما في ملف العدالة الانتقالية، فإن المجلس يقف أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز البعد القانوني إلى البعد الأخلاقي. فالتعامل مع إرث الانتهاكات لا يمكن أن يتم عبر مقاربات انتقائية أو مؤجلة. المطلوب هو إطار قانوني واضح يوازن بين المحاسبة والمصالحة، ويمنح الضحايا مكانة مركزية في العملية، لا أن يحوّلهم إلى هامش في تسويات سياسية. وهنا، يصبح البرلمان منصة للنقاش الوطني، لا مجرد جهة تصادق على صيغ جاهزة.
لكن كل هذه الأدوار تظل رهينة بقدرة المجلس على الحفاظ على استقلاله الفعلي. فالتحدي في الحالة السورية لا يتعلق فقط بالنصوص الدستورية، بل بواقع معقد تتداخل فيه القوى المحلية مع التأثيرات الخارجية. وفي ظل هذا الواقع، قد يتعرض المجلس لضغوط تدفعه نحو التنازل عن دوره أو التكيف مع موازين قوى غير متكافئة. لذلك، فإن نجاحه سيعتمد إلى حد كبير على قدرته في بناء شرعية تستند إلى تمثيل حقيقي، وعلى انفتاحه على المجتمع، لا انغلاقه ضمن دوائر سياسية ضيقة.
في نهاية المطاف، لا يُقاس نجاح أول برلمان في سوريا بعد سقوط نظام الأسد بعدد القوانين التي يمررها، بل بقدرته على تغيير طريقة الحكم نفسها. إما أن يكون مؤسسة تعيد توزيع السلطة وتؤسس لمرحلة جديدة من المساءلة والشفافية، أو أن يتحول إلى واجهة تمنح شرعية شكلية لاستمرار أنماط قديمة. بين هذين الخيارين، تتحدد ملامح سوريا المقبلة






