في الدول التي تحترم سيادة القانون، تُقاس شرعية السلطة بقدرتها على حماية الحقوق، لا بإعادة تعريفها بما يخدم الوقائع المفروضة. غير أن تجربة “ماروتا سيتي” في دمشق تكشف نموذجًا مغايرًا: حيث لم تُستخدم القوانين لتنظيم الملكية، بل لإعادة هندستها قسرًا، على نحوٍ يُفرغ الحق ذاته من مضمونه، ويحوّله من ضمانة دستورية إلى امتياز مشروط.
لم يكن المرسوم 66 وما تلاه من أطر تشريعية مجرد أدوات تخطيط عمراني. بل مثّل، في جوهره، انتقالًا خطيرًا من حماية الملكية الخاصة إلى إعادة توزيعها عبر آليات قانونية ظاهرها التنظيم، وباطنها النزع. وقد تم ذلك عبر توسيع مفهوم “المنفعة العامة” إلى درجةٍ يصبح فيها كل مشروع استثماري قابلًا لأن يُدرج تحت هذا العنوان الفضفاض، بما يفتح الباب أمام استخدام السلطة التقديرية دون ضوابط حقيقية.
الملكية كحق مُفرغ من مضمونه
التحول الأبرز لم يكن في نزع الملكية المباشر، بل في استبداله بصيغة أكثر التواءً: تحويل الملكيات الفردية إلى أسهم تنظيمية مشاعة. هذه الآلية، التي تبدو منضبطة من حيث الشكل، تنطوي على مساس جوهري بجوهر الحق، إذ يفقد المالك صلته بعقاره المحدد، ليصبح حاملًا لحصة نظرية في كيان استثماري لا يملك السيطرة عليه، ولا ضمانًا لقيمته الفعلية.
بهذا المعنى، لم تُصادر الملكية فحسب، بل أُعيد تعريفها بطريقة تجعلها بلا مضمون فعلي. وهو ما يتعارض مع المبادئ المستقرة في الفقه القانوني المقارن، حيث يُنظر إلى الملكية بوصفها حقًا مركبًا يشمل الاستعمال والاستغلال والتصرف، لا مجرد قيمة مالية قابلة لإعادة التقدير.
إجراءات شكلية… وحقوق معطّلة
يزداد الإشكال حدةً عند النظر إلى البعد الإجرائي. فالمهل القصيرة المفروضة لإثبات الملكية، في سياق بلدٍ شهد نزوحًا واسعًا، لا يمكن اعتبارها سوى قيود تعجيزية. إذ يصبح الحق في الملكية معلقًا على القدرة المادية واللوجستية على الحضور أو التوكيل، لا على وجود الحق ذاته.
هذا النمط من الإجراءات يُفرغ مبدأ “العدالة الإجرائية” من مضمونه، حيث تُمنح الحقوق نظريًا، لكنها تُسلب عمليًا عبر آليات يصعب على المتضررين استيفاؤها. وهو ما يتنافى مع المعايير الدولية التي تشترط أن تكون الإجراءات ممكنة وميسّرة، لا معيقة ومقصية.
من التعويض إلى الإفقار
لا يقل الجانب الاقتصادي خطورة. فبدل أن يشكل التعويض أداة لجبر الضرر، تحوّل في كثير من الحالات إلى عبء إضافي على المالكين، سواء عبر بدلات غير كافية، أو عبر تحميلهم تكاليف وأقساط لا تتناسب مع قدراتهم.
وهنا يظهر خلل بنيوي في العلاقة بين الدولة والمواطن: إذ لم تعد الدولة ضامنًا للحقوق، بل طرفًا يعيد توزيع الأعباء بما يفاقم الضرر بدل معالجته.
تقييد الحق في التقاضي
أما على صعيد الحماية القضائية، فإن إحالة النزاعات إلى لجان إدارية ذات طابع شبه قضائي تثير تساؤلات جدية حول استقلالية القرار وحياده. فالحق في التقاضي أمام قاضٍ مستقل ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل ضمانة أساسية ضد تعسف السلطة.
وعندما يُستبدل هذا الحق بآليات إدارية، فإن ميزان العدالة يميل بالضرورة لصالح الجهة التي تملك سلطة التنظيم والتنفيذ معًا.
التهجير كأثر جانبي “منظم”
لا يمكن فصل هذه المنظومة القانونية عن نتائجها الاجتماعية. فقد أدى المشروع إلى إزاحة واسعة للسكان، دون تأمين بدائل سكنية فعالة ضمن أطر زمنية معقولة.
وهنا يتحول “التنظيم العمراني” إلى شكل من أشكال التهجير المقنّع، حيث يُعاد تشكيل الفضاء الحضري على حساب الفئات الأضعف، تحت غطاء قانوني.
المرحلة الانتقالية: حين يستمر الاستثناء كقاعدة
المفارقة الأشد إيلامًا لا تكمن في هذه الانتهاكات بحد ذاتها، بل في استمرارها خلال ما يُفترض أنه طور انتقالي. فالمرحلة الانتقالية، في جوهرها، تُفهم بوصفها لحظة مراجعة وتصحيح، لا كامتداد آلي لسياسات سابقة.
إن الإبقاء على نفس الأطر القانونية دون مراجعة نقدية يعني عمليًا إعادة إنتاج النتائج ذاتها، ومنحها شرعية لاحقة. وهو ما يقوض فكرة “الانتقال” ذاتها، ويحوّلها إلى مجرد تغيير في الشكل، لا في الجوهر.
العدالة الانتقالية: استعادة الحقوق لا تثبيت الوقائع
في سياق العدالة الانتقالية، لا يكفي الاعتراف بوقوع الانتهاكات، بل يقتضي الأمر تفكيك البُنى القانونية التي أنتجتها. فالقوانين التي مست جوهر الحق في الملكية لا يمكن التعامل معها كأمر واقع، بل يجب إخضاعها لمراجعة جذرية تُعيد الاعتبار لحقوق الأفراد.
تقوم العدالة الانتقالية على مبادئ واضحة: كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار. وفي حالة ماروتا سيتي، يعني ذلك فتح ملفات الملكية التي جرى المساس بها، وتمكين المالكين من استعادة حقوقهم أو الحصول على تعويض عادل ومكافئ، وإعادة النظر في الآليات التي حرمتهم من التقاضي الفعلي.
كما أن أي مسار جدي للعدالة الانتقالية يفترض إعادة توزيع موازين القوة القانونية، بحيث لا تبقى الدولة طرفًا مهيمنًا على النزاع، بل خاضعة لرقابة قضائية مستقلة، تضمن إنصاف المتضررين.
فلا معنى لمرحلة انتقالية تُبقي على نتائج الانتهاك، ولا قيمة لإصلاح شكلي لا يلامس جذور الخلل.
نحو استعادة المعنى القانوني للملكية
إن معالجة ملف “ماروتا سيتي” لا يمكن أن تتم عبر أدوات إدارية أو تسويات جزئية. بل تتطلب مقاربة أعمق، تعيد الاعتبار للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون:
-أن تكون الملكية حقًا لا امتيازًا
-أن يكون نزعها استثناءً لا قاعدة
-أن يكون التعويض جبرًا للضرر لا مصدرًا له
-وأن يكون القضاء ملاذًا فعليًا، لا إجراءً شكليًا
فالاختبار الحقيقي لأي نظام قانوني لا يكمن في نصوصه، بل في قدرته على حماية الأفراد من تعسف هذه النصوص.
وفي هذا الاختبار تحديدًا، وفي النهاية، لا يمكن التعامل مع ما جرى في ماروتا سيتي بوصفه مجرد خلل إداري أو انحراف في التطبيق، بل هو انعكاس لبنية قانونية صُممت لتُنتج هذا الخلل وتُكرّسه. ومن هنا، فإن أي مقاربة جدية لا بد أن تبدأ بالاعتراف بأن المشكلة ليست في النتائج فقط، بل في القواعد التي أفرزتها.
إن استمرار هذه القواعد في المرحلة الانتقالية لا يعني سوى ترحيل الظلم من زمن إلى آخر، ومن سلطة إلى أخرى، دون مساءلة حقيقية أو تصحيح فعلي. وعليه، فإن استعادة الثقة بالقانون تمرّ حتمًا عبر إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الحقوق لا الامتيازات، والضمانات لا الاستثناءات.
فحين تصبح الملكية قابلة للنزع باسم القانون، دون ضوابط حقيقية، يفقد القانون معناه، وتفقد الدولة أحد أهم شروط شرعيتها: حماية مواطنيها، لا إعادة تعريف حقوقهم على حسابهم






