والرقص لا يعني أننا نسينا من مات، والأغنية لا تلغي الذاكرة
ربما لهذا بدت لي ليلة أصالة في دمشق أكبر من حفلة غنائية. كان فيها شيء يتجاوز صورة فنانة على المسرح وجمهور يغني معها. شيء في وجوه الناس وأصواتهم وضحكاتهم جعلني أتوقف أمام السوريين أنفسهم
قبل الحفل بأيام، تحولت أصالة إلى مساحة سجال
من اعترض على أسعار البطاقات في بلد يعيش ظروفًا اقتصادية قاسية، إلى من فتح دفاترها القديمة ومواقفها السياسية، وصولًا إلى من كانت مشكلته مع الموسيقى نفسها ووجود حفلة غنائية في دمشق
هذا الاعتراض الأخير أعادني إلى مقابلة للصديق ياسر شالتي استحضر فيه أوغاريت وترنيمة نيكّال، واحدة من أقدم المدونات الموسيقية المعروفة في العالم.
https://www.facebook.com/share/v/18CoYd9mFw/?mibextid=wwXIfr
يا لها من مفارقة !!!
في بلاد تركت على ألواحها الطينية موسيقى عمرها آلاف السنين، نعود اليوم لنتجادل حول حق الموسيقى في أن تكون جزءًا من حياتنا
منذ آلاف السنين كان في هذه الأرض من يكتب الموسيقى، واليوم ما زال فيها من يريد أن يغني
وسوريا أوسع وأقدم وأكثر تنوعًا من أن تُختصر في تصور واحد للحياة.
لا يمكننا إخراجها تمامًا من المشهد السياسي
لكنني لا أريد أن أحوّل حفلة أصالة إلى فعل سياسي أو إعلان انتصارً
ربما لم تكن عودة أصالة هي الحكاية. الحكاية أن باب دمشق الذي أُغلق طويلًا في وجوه سوريين بسبب مواقفهم السياسية، لم يعد يملكه شخص واحد ليقرر من يدخل ومن يبقى في المنفى.
تكفيني مفارقة واحدة
خرج بشار الأسد من دمشق وعادت أصالة إليها
لكن حتى هذه ليست الحكاية كلها
الحكاية بالنسبة لي كانت في الناس
فمهما اختلفت آراؤنا السياسية، ومهما اختلفنا حول أصالة، أحببنا صوتها أم لم نحبه، اتفقنا مع مواقفها أو فتشنا في ماضيها لا تلغي كل هذه الاختلافات شيئًا بسيطًا وجميلًا
كان السوريون في تلك الليلة فرحين
كان فرحًا جمعيًاً عفويًا يكاد يفيض من الشاشات
شيء في وجوه الناس وهم يغنون أعاد إليّ للحظة مشاعر الثامن من كانون الأول
لا أشبّه الحدثين، ولا أحوّل حفلة غنائية إلى حدث يوازي سقوط نظام. أتحدث فقط عن ذلك الفرح الجمعي النادر، حين يبدو للحظة أن آلاف الناس يتشاركون الإحساس نفسه
وربما لهذا حزنت على كل سوري حرم نفسه من هذه اللحظة، وجلس يفتش عن سبب ليغضب مهما كبر او صغر !!
حتى فاته أن يرى آلاف السوريين وهم سعداء
وحزنت أكثر على من ضاقت فكرته عن الحياة حتى صار صوت الموسيقى خطرًا، والفرح شبهة، والأغنية شيئًا ينبغي منعه
ليس علينا أن نحب أصالة جميعًا، ولا أن نرقص بالطريقة نفسها
لكن ألا يكفينا كل ما أخذته السنوات منا كي نتعلم ألا نفسد على بعضنا لحظات الفرح؟
وأن نفرح لفرح السوري الآخر، حتى عندما لا يكون سبب فرحه سببًا لفرحنا
فالفرح معدٍ. لا يبقى حبيس أصحابه، بل ينتقل من وجه إلى وجه حتى يصعب أن تبقى خارجه
وطوال سنوات
اعتاد العالم أن يرى السوري نازحًا أو لاجئًا أو معتقلًا، أمام بيت مهدّم أو في انتظار مفقود. أما في تلك الليلة، فقد ظهر بصورة أخرىً يغني ويضحك ويفرح
وهذا لا يعني أنه نسي
يمكن للإنسان أن يحمل ذاكرته وحزنه، وأن يواصل الحياة. أن يطالب بالعدالة ويغني في الوقت نفسه.
وسوريا تستحق أن تُرى بهذه الصورة أيضًا
بلدًا لأناس يحبون الموسيقى والحياة
لا بلد المقابر والسجون والمخيمات وحدها.
لا أعرف لماذا نطالب السوري دائمًا بأن يشرح فرحه بينما لم نطلب منه يومًا أن يبرر كل هذا الحزن.
دعوه يفرح
لقد حزن بما يكفي
فالسوريون يليق بهم الفرح
والفرح حلو…
متل السوريين.






