أمة تستحق طغاتها: تأملات في الخراب السوري

كيف يحدث أن يخرج شعب من تحت أنقاض طاغية ليُصفّق لطاغية آخر؟ كيف تتحوّل الضحية إلى مُشجّع متحمس لقاتل جديد، فقط لأنه يحمل راية مختلفة؟ وما الذي يجعل السوريين، بعد كل هذا الدم، يمنحون ولاءهم لسلطة وُلدت من رحم الإرهاب المُصنّف دولياً، سلطة قتلت من “الأكثرية السُنّية”  مثلما قتل نظام الأسد؟ الأسئلة مؤلمة لأنها تضعنا أمام مرآة لا نريد النظر فيها. مرآة تعكس ليس فقط قبح السلطة الجديدة، وإنما قبح شيء فينا، نحن السوريين، شيء يجعلنا نُعيد إنتاج الاستبداد بأشكال مختلفة، نُغيّر الطاغية لكن نحتفظ بالطغيان، نُبدّل الجلاد لكن نُقدّس الجلد. وكأننا في مشهد من لوحة بريغل “انتصار الموت” (لوحة الغلاف)، حيث يسير الجميع – ضحايا وجلادين، كهنة وعشّاق، أغنياء وفقراء – بذات الرتم نحو الفناء، بلا احتجاج، بلا أسئلة. الطغيان هنا لا يختار فريسته، يلتهم الجميع بتواطؤ جماعي وصمت خانق، كرقصة أخيرة يؤديها العبد المُبتهج بسلسلة عنقه.

لفهم هذه الظاهرة المُركّبة، نحتاج لتجاوز التفسيرات السطحية – الجهل، الخوف، الإكراه – والغوص في البُنى العميقة والجذرية التي تُنتج الطاعة كخيار “عقلاني” في سياق مجنون. ثلاث مقاربات متداخلة قد تُضيء زوايا مختلفة من هذا المشهد المأساوي.

أولاً: اقتصاد الطاعة – المقاربة الطبقية البنيوية

الولاء هنا ليس خياراً أخلاقياً أو عاطفياً، هو نتاج بنية مادية صلبة تُحدد الممكن والمستحيل في حياة الناس اليومية. لنأخذ مثلاً ملموساً: الحاجز. في سوريا اليوم، الحاجز أكبر من مجرد نقطة تفتيش، هو مؤسسة اقتصادية متكاملة. الجندي على الحاجز يأخذ “إتاوة” من السائق، السائق يُحمّلها على البضاعة، التاجر يُحمّلها على السعر، والمواطن يدفع في النهاية، لكن الأمر لا يتوقف هنا. الجندي نفسه يدفع جزءاً من “الإتاوة” لضابطه، والضابط لأميره، والأمير للقيادة. سلسلة كاملة من المصالح المتشابكة، كلها تعتمد على بقاء النظام الذي يُديرها.

شبكات الزبائنية التي ورثتها السلطة الجديدة أعقد بكثير من مجرد فساد. إنها نظام متكامل لتوزيع الموارد والفرص والحماية. خذ مثلاً توزيع المساعدات “الإنسانية”. المنظمة الدولية تُسلّم المساعدات للسلطة المحلية، السلطة تُسلّمها لوجهاء الأحياء، الوجهاء يُوزّعونها على “المستحقين” – والاستحقاق هنا ليس الحاجة لكن الولاء. لكن البنية أعمق من التوزيع المباشر للموارد. اقتصاد الحرب أنتج طبقات جديدة لم تكن موجودة قبل 2011. أمراء الحرب الصغار الذين يُسيطرون على معبر هنا أو مستودع هناك. تجّار الحرب الذين احتكروا السلع الأساسية. وسطاء الفديات الذين يُفاوضون على المخطوفين. سماسرة العقارات الذين يشترون بيوت المُهجّرين بأبخس الأثمان. كل هؤلاء مصلحتهم ليست في عودة الدولة والقانون، لكن في استمرار الفوضى المُنظّمة التي تُدر عليهم الأرباح.

الفقر هنا حالة وجودية شاملة وليس مجرد نقص في المال. عندما يُصبح كيس الخبز حلماً والدواء ترفاً والأمان سلعة نادرة، تتغيّر معايير الإنسان كلها. الأب الذي كان يحلم بتعليم أولاده صار يحلم بإطعامهم. الأم التي كانت تخاف عليهم من الزكام صارت تخاف عليهم من القتل. في هذا السياق، الكرامة تُصبح مفهوماً مجرّداً، بينما البقاء حاجة يومية ملموسة. السلطة تفهم هذا جيداً وتلعب عليه: تُوزّع الخبز في المناطق “الموالية” وتحجبه عن “المشبوهة”، تفتح المعابر لمن يُبايع وتُغلقها على من يرفض.

اقتصاد الأمن أخطر حتى من اقتصاد الرزق. في دولة القانون، الأمن حق مجاني يحميه القضاء والشرطة. في سوريا اليوم، الأمن سلعة باهظة الثمن. العائلة تدفع “الزكاة” الشهرية ليس إيماناً بالفصيل المُسيطر، بل لأن البديل هو التعرّض للسرقة أو الخطف أو ما هو أسوأ. التاجر يدفع “الحماية” ليس حباً في الحامي، لكن خوفاً من منافس قد يحرق محله إذا لم يكن “محمياً”. حتى المسجد والكنيسة صارا بحاجة لـ”كفيل” من السلطة ليضمن عدم اقتحامهما.

هذه البنية الاقتصادية – الأمنية تُنتج ولاءً ميكانيكياً لا يحتاج لقناعة. مثل عامل في مصنع فورد لا يحتاج أن يُحب السيارات ليعمل على خط الإنتاج، السوري اليوم لا يحتاج أن يُحب السلطة ليُظهر الولاء لها. الولاء صار وظيفة، له ساعات عمل ومهام محددة وأجر معلوم. تحضر المسيرة، ترفع الشعار، تهتف بالهتاف المطلوب، وتحصل على تصريح المرور أو السلة الغذائية أو الأمان النسبي ليوم آخر.

المأساة أن هذه البنية تُعيد إنتاج نفسها. الشاب الذي يُجنّد اليوم طمعاً في الراتب، سيُصبح غداً جزءاً من آلة القمع التي تُجبر شباباً آخرين على نفس الخيار. التاجر الذي يدفع “الحماية” اليوم، سيُصبح غداً شريكاً في نظام الابتزاز. الموظف الذي يُنفّذ الأوامر خوفاً على وظيفته، سيُصبح غداً من يُصدر أوامر مماثلة لموظفين آخرين. دوّامة لا تنتهي من الضحايا الذين يتحوّلون إلى جلادين صغار، والجلادين الصغار الذين يُنتجون ضحايا جدد.

ثانياً: قناع الأكثرية – المقاربة الدينية العلمانية

“نحن الأكثرية” شعار يُرفع اليوم في دمشق وحلب وإدلب كأنه حجة قاطعة، برهان نهائي على الشرعية. لكن الأكثرية، في تجلّيها العددي المحض، ليست سوى تراكم كمّي للأجساد، وَهْمٌ إحصائي يتستّر خلفه العنف البنيوي بقناع الشرعية الديمقراطية – كأن الحقيقة الأخلاقية قابلة للعدّ، وكأن العدالة تُوزن بالأرقام، أو كأن دم الواحد يصير حلالاً إذا صوّتت عليه الألف.

التاريخ، ذلك المسلخ الذي يتقنّع بصفة المعلّم، يكشف لنا بوضوح دامٍ كيف تحوّلت الأكثريات إلى آلات إبادة منهجية: الهوتو في رواندا يذبحون التوتسي بالمناجل المُباركة ديمقراطياً، الألمان “المتحضّرون” يُصوّتون للنازية ثم يُشغّلون أفران الموت بكفاءة بيروقراطية، الصرب الأرثوذكس يُحوّلون البوسنة إلى مقبرة جماعية باسم الأكثرية القومية المُقدّسة. والسلطة السورية الجديدة تضيف فصلاً جديداً لهذا التاريخ الدموي، تقتل باسم الأكثرية السُنّية التي تدّعي تمثيلها.

الشرعية – تلك الكلمة المُلتبسة التي تتأرجح بين الحق والقوة – لا تنبع من تكديس الأصوات في صناديق الاقتراع كما لا تنبع من تكديس الجثث في المقابر الجماعية. إنها تتأسّس على مبدأ وجودي لا يقبل المساومة: الاعتراف بإنسانية الآخر المُطلقة، بحقه في الوجود ليس رغم اختلافه لكن بسبب هذا الاختلاف بالذات. دولة تُمارس القتل الممنهج – سواء غلّفته بالشرعية الثورية أو بالتفويض الإلهي – تبقى في جوهرها الأنطولوجي عصابة إجرام مُنظّمة، حتى لو حملت كل مُجرميها المصاحف في يد والبنادق في اليد الأخرى.

الخلط بين الهوية الدينية والمشروع السياسي متعمد ووظيفي. السلطة الجديدة، العارية من أي برنامج حقيقي، تلجأ للتلاعب بالهويات، تُحوّل الانتماء الديني الطبيعي إلى ولاء سياسي إجباري. “أنت سُنّي؟ إذن يجب أن تؤيدنا. لا تؤيدنا؟ إذن لست سُنياً حقيقياً”. معادلة تختزل الإيمان في الطاعة، والدين في السلطة.

في المساجد “المحررة”، يُعاد تشكيل الوعي الديني بمنهجية مدروسة. النص المقدّس يُجتزأ ويُلوى ليخدم السلطة. “طاعة ولي الأمر” تُصبح العقيدة الأولى، بينما آيات العدل والرحمة تُنسى. التدين الشعبي السوري – ذلك النسيج الغني المتسامح المتجذر في قرون من التعايش – يُسرق ويُحوّل إلى أيديولوجيا عنف. الجدّة التي تدعو للجميع “مسلمين ومسيحيين”، العامل الذي يُشارك جاره المسيحي إفطاره، التاجر الذي لا يغش في الميزان – هؤلاء يُصبحون “سُنّة كيوت”، غير أصيلين، مشكوك في ولائهم.

المفردات الدينية تُفرّغ من روحها وتُملأ بالعنف. “الفتح” يصير دخول الدبابات للأحياء السكنية، “النصر” يعني سحق المعارضين، “الجهاد” يُبرّر القتل والنهب. والمفارقة المُرّة أن هذه السلطة التي تدّعي حماية السُنّة قتلت منهم مثلما قتل النظام في سنوات الحرب. مجازر حلب وإدلب لم تُفرّق بين سُنّي وعلوي، بل بين خاضع ومقاوم. الخطاب الطائفي يُدمّر نسيج المجتمع من الداخل. المسيحي يُحوّل فجأة إلى “أقلية” يجب أن تخضع أو ترحل. العلوي الثائر يُصنّف عدواً لمجرد طائفته. الكردي يُتّهم بالانفصالية لأنه يتكلم لغته. الدرزي يُكفّر لأنه لا يُصلّي بطريقتهم. الأكثرية تتحوّل من حقيقة ديموغرافية إلى سلاح إبادة ثقافية.

لكن الأكثرية الحقيقية – تلك التي لا صوت لها – هي أكثرية المُعذّبين من كل الطوائف، الذين يريدون فقط العيش بسلام. هذه الأكثرية الصامتة المُرعبة تُحكم من قبل أقلية مُسلّحة تدّعي التحدث باسمها، تقتل باسمها، تُجدّف على الدين والإنسانية باسمها.

القتل يبقى قتلاً مهما طالت لحية القاتل، والظلم يبقى ظلماً حتى لو برّرته ألف فتوى. المعيار الأخلاقي لا يحتاج تأويلاً: من يسفك دماً بريئاً مجرم، نقطة ويقف الكلام. لا يُغيّر من هذه الحقيقة أن يكون المجرم يحفظ القرآن أو يُصلّي الفجر قبل أن يذهب لذبح من صنّفهم “أقليات” في تقسيمه الطائفي المريض.

ثالثاً: سحر السردية – المقاربة الثقافية الشعبية

السردية تسبق البندقية، والحكاية أقوى من الحقيقة. هذا ما فهمته السلطة الجديدة بحدس الطغاة الذين يعرفون أن السيطرة على المخيال أهم من السيطرة على الأرض. لنأخذ مثالاً واحداً: فيديو “فتح” حلب. عشرات المقاطع المُصوّرة بعناية، مقاتلون يدخلون شوارع فارغة، تكبيرات مدروسة، أعلام تُرفع على أبنية حكومية. لكن الكاميرا لا تُصوّر الحي المجاور حيث العائلات تحزم أمتعتها خوفاً، ولا البيوت التي نُهبت بعد ساعات، ولا الشاب الذي اختفى لأنه من “الطائفة الخطأ”.

النكتة هنا أداة سياسية بامتياز. “شو الفرق بين الثورة والنظام؟ النظام كان يسرق بالخفية، والثورة تسرق بالعلن”. نكتة تبدو ناقدة، لكنها في الحقيقة تُطبّع مع الواقع الجديد. تقول إن السرقة حتمية، الفرق فقط في الأسلوب. النكتة الأخرى: “الحمد لله صرنا نصلّي بالجوامع براحتنا”، يردّ آخر: “إي بس ما عاد في بيوت نرجع عليها بعد الصلاة”. ضحك أسود يُخدّر الألم لكن لا يواجهه، يسخر من الواقع لكن يقبله كقدر.

الأغنية الحماسية سلاح آخر. ليست أي أغنية، بل تلك المصنوعة بدقة مُتناهية. إيقاع يُحرّك الدم، كلمات تمزج الديني بالقبلي بالوطني، صور للمقاتلين بالسلاح الثقيل. “أسود الشام” و”فرسان الحق” و”جند الرحمن” – تسميات تستدعي مخيالاً بطولياً من التاريخ، تُلبس القاتل ثوب الفارس، والمرتزق درع المجاهد. الشاب الذي يسمع الأغنية لا يرى الجثث، يرى الملحمة. لكن تيك توك هو السلاح الأمضى. ثلاثون ثانية تكفي لصناعة بطل أو تدمير عدو. المقاتل يُصوّر نفسه وهو يُطعم قطة في شارع مُدمّر – الفيديو يحصد مليون مشاهدة و”الله يحميك يا بطل” تملأ التعليقات. لا أحد يسأل: من دمّر الشارع؟ أين أهل البيوت؟ لماذا القطة وحيدة؟ مقطع آخر: مقاتلون يُوزّعون الحلوى على الأطفال. الكاميرا لا تُصوّر الأب المُعتقل ولا الأم التي تبيع أثاث البيت لتُطعم هؤلاء الأطفال.

“الرجولة” أيضاً هنا مفتاح سحري. في مجتمع ذكوري مُحطّم، حيث الرجل فقد قدرته على إعالة أسرته، على حمايتها، على ممارسة دوره التقليدي، تأتي صورة المقاتل “الرجل” لتملأ الفراغ. هو “يحمي العرض”، “يُدافع عن الأرض”، “يسترد الكرامة”. الشاب العاطل عن العمل، المُهان على الحواجز، العاجز عن دفع إيجار البيت، يجد في هذه الصورة تعويضاً نفسياً. يُصفّق للمقاتل لأنه يُجسّد ما يتمنى أن يكونه هو: رجل “حقيقي” في زمن سلبت فيه الحرب معنى الرجولة.

“الفزعة” كلمة أخرى تُستغل ببراعة. الفزعة التي كانت تعني في الثقافة الشعبية نجدة المظلوم وإغاثة الملهوف، تُحوّل إلى تبرير للعنف. “فزعة” تقتضي الانتقام من “أعداء الثورة”، “فزعة” تُبرّر نهب بيوت “الشبيحة”، “فزعة” تُسوّغ اعتقال من “باع الثورة”. الكلمة نفسها، لكن المعنى انقلب رأساً على عقب.

السردية المُضادة موجودة لكنها خافتة، مُبعثرة، مُرهقة. الأم التي تبحث عن ابنها المُختفي تُصوّر فيديو تستغيث فيه – يحصد ألف مشاهدة ويموت. شهادة المُعذّب في السجن تُكتب – يقرأها مئات ويتجاهلونها. صورة البيت المهدوم تُنشر – “يمكن كان بيت شبيح” يُعلّق أحدهم وينتهي الأمر.

لماذا تنجح سردية السلطة وتفشل سردية الضحايا؟ لأن الأولى تمنح معنى، والثانية تكشف العبث. الأولى تقول “نحن أبطال في معركة مُقدّسة”، والثانية تقول “نحن ضحايا في مذبحة عبثية”. الأولى تَعِد بنصر قادم، والثانية تُذكّر بهزيمة راهنة. الإنسان المُحطّم يحتاج للمعنى أكثر من حاجته للحقيقة، يحتاج للأمل حتى لو كان زائفاً أكثر من حاجته للوضوح المؤلم.

هناك أيضاً عامل نفسي متجذر: الحاجة للانتماء لطرف “رابح”. بعد سنوات من الهزائم المُتتالية، من الخذلان الدولي، من تفتّت المعارضة، يحتاج السوري لأن يشعر أنه مع “المنتصرين” ولو مرة. السلطة الجديدة، بكل وحشيتها، تبدو “منتصرة”. تسيطر على الأرض، تفرض القوانين، تُحدّد المصائر. الانتماء لها – ولو نفسياً – يمنح إحساساً وهمياً بالقوة، بالسيطرة على المصير، بالخروج من موقع الضحية الأبدية.

الطامة أن هذه السردية تُعيد كتابة التاريخ أمام أعيننا. الثورة التي بدأت بشباب عُزّل يطالبون بالكرامة، تُحوّل في السردية الجديدة إلى “جهاد مُقدّس” قادته الفصائل المُسلّحة منذ البداية. الشهداء الأوائل الذين سقطوا بالرصاص الأسدي يُنسون، ويُستبدلون بـ”شهداء المعارك” الذين ماتوا في حروب الفصائل البينية. التاريخ يُعاد كتابته ليُناسب الحاضر، والذاكرة تُمسح لتُملأ بأساطير جديدة.

في النهاية، معركة السردية لا تعتبر ترفاً ثقافياً وإنما صراع وجودي. من يكتب القصة يُحدّد المستقبل. ومن يُصدّق القصة يُصبح جزءاً منها، ضحية أو جلاداً، بطلاً أو خائناً، حسب الدور المكتوب له. والمأساة أن معظم السوريين اليوم يُمثّلون في مسرحية لم يكتبوها، يُصفّقون لأبطال لا يستحقون البطولة، يُصدّقون حكايات تُناقض ما عاشوه بأعينهم. لكن ما البديل؟ في بلد صار فيه الواقع أقسى من أي خيال، ربما الوهم هو آخر ما تبقى.

في احتقار العبيد الراضين

لنتوقف عن المواربة والتبرير. السوريون الذين يُصفّقون اليوم للسلطة الجديدة ليسوا ضحايا بريئين لظروف قاهرة، هم شركاء. شركاء في الجريمة بصمتهم، بتصفيقهم، بتبريراتهم الجبانة. الأم التي ترقص في حفلة “النصر” تعرف أن أمهات أخريات يبحثن عن جثث أبنائهن. التاجر الذي يُهلل للـ”فاتحين” يعرف أن بضاعته مسروقة من بيوت المُهجّرين. الشاب الذي يحمل السلاح “دفاعاً عن الدين” يعرف أن رصاصاته تخترق صدور مؤمنين مثله. العبودية الطوعية أحقر من العبودية بالإكراه. العبد المُكره يحتفظ على الأقل بكرامته الداخلية، بحلمه بالحرية. أما العبد الراضي، الذي يُقبّل يد السيد طوعاً، الذي يُبرّر السوط الذي يجلده، فقد مات فيه كل ما هو إنساني. وهذا بالضبط ما نشهده: موت الإنسان السوري، وولادة القطيع.

“لكن الناس مضطرة”، “الظروف صعبة”، “ما في خيار تاني”  تبريرات الجبناء في كل زمان ومكان. كان هناك دائماً خيار آخر: الصمت بدل التصفيق، الحياد بدل المشاركة، الرفض الصامت بدل الولاء الصاخب. لكن هذا يتطلب حداً أدنى من الشجاعة، والشجاعة صارت عملة نادرة في سوق الذل السوري.

الحقيقة المُرة: نحن شعب يستحق طغاته. ليس لأن الطغاة قدر محتوم، لكن لأننا نصنعهم بأيدينا، نُغذّيهم بجبننا، نُقوّيهم بانتهازيتنا، نُخلّدهم بعبوديتنا الطوعية. الطاغية لا يسقط من السماء، يصعد من تحتنا، على أكتافنا المنحنية، على ظهورنا المكسورة بإرادتنا. من يُبرّر للقاتل اليوم سيُقتل غداً، ولن يجد من يبكيه. من يصمت على الظلم اليوم سيُظلم غداً، ولن يسمع صرخته أحد. من يُصفّق للطاغية اليوم سيُسحق تحت حذائه غداً، ويموت كما عاش: ذليلاً، صامتاً، بلا كرامة.

التاريخ لن يرحم. لن يُسجّل أننا كنا “مضطرين” أو “خائفين” أو “جائعين”. سيُسجّل أننا خُنّا، صفّقنا، شاركنا. سيُسجّل أن جيلاً كاملاً من السوريين اختار العبودية على الموت بكرامة، الذل على المقاومة، البقاء الحيواني على الحياة الإنسانية. والأجيال القادمة – إن بقي منها شيء – ستلعننا. ستسأل: كيف سمحتم بهذا؟ كيف صفّقتم لقاتليكم؟ كيف برّرتم لطغاتكم؟ ولن يكون لدينا جواب سوى العار.

هذه ليست دعوة للبطولة، فالبطولة ترف لا نستحقه. هذه دعوة للحد الأدنى من الكرامة الإنسانية: ألا نُصفّق للجلاد، ألا نُبرّر للقاتل، ألا نرقص على جثث إخوتنا. لكن حتى هذا الحد الأدنى يبدو أكثر مما يُطيق السوري المعاصر. فليكن إذن ولنعترف بما نحن عليه: شعب ميت يبحث عن قبر لائق. شعب باع روحه مقابل وعد كاذب بالأمان والاستقرار. شعب اختار أن يعيش على ركبتيه ومات قبل أن يُدفن.

الطغاة يأتون ويذهبون، لكن العار الذي نصنعه بأيدينا يبقى. يبقى في ذاكرة الضحايا، في صرخات المُعذّبين، في صمت القبور الجماعية. ونحن – نحن الصامتون، المُبرّرون، المُصفّقون – سنحمل هذا العار إلى قبورنا، وسيُحاسبنا عليه التاريخ بلا رحمة.

لأن التاريخ، في النهاية، لا يغفر للجبناء.

مقالات مشابهة