لنبدأ من السؤال الصعب: أيُّ شرعيةٍ بقيت في سورية اليوم؟ أهي شرعية الدم الذي سُفك باسم الأكثرية، أم شرعية الخوف الذي حَكَمَ باسم الدولة، أم أنّنا نعيش انهيار الشرعية نفسها بما هي معنى سياسي وأخلاقي؟ هل يجوز أن نستمرّ في سؤال: “من له الحقّ في الحكم؟” فيما الواقع يصرخ بسؤال آخر: “من يملك القدرة على أن يحكم، وأن يُدير حياة الناس؟”
اليوم ما يتداعى أمامنا ليس نظاماً واحداً ولا سلطة بعينها، لكن القاعدة التي بُنيت عليها السياسة منذ قرن: أن تُقاس الشرعية بالنسب والعدد والعصبية، لا بالكفاءة اليومية. لكن هل يَكفي أن نعلن هذا الانهيار كي يولد بديل؟ أم أننا، سنحوّل لحظة التأسيس إلى فرصة جديدة للغلبة، نعيد فيها إنتاج ما قبل الدولة بلسان الدولة؟ فالشرعية التي تنهار اليوم تعد تحوّل في معنى السياسة نفسها. فهي لم تعد تُختزل في سلالة حاكمة أو أكثرية متخيلة، لكنها تكشف جوهرها كاختبار يومي: إمّا أن تكون امتيازاً موروثًا يكرّس الغلبة، وإمّا عقد خدمة قابلاً للمساءلة يُقاس بقدرته على إدارة حياة الناس وتحويل العيش من فوضى إلى نظام ومن خوف إلى أمان. بهذا المعنى، نحن لا نشهد سقوط سلطة فحسب، وإنما انكشاف القاعدة التي حكمت السياسة لدينا لعقود، وانتقالها القسري من وهم الهوية إلى حقيقة القدرة.
على هذا المقياس تبدو السلطة الجديدة أقرب إلى إدارة غنيمة منها إلى مشروع دولة عامة. ما انتقل من الشمال إلى العاصمة لايمكن اعتباره إدارة متماسكة بقدر ما هو نموذج حكم يشتغل بمنطق الطائفة والسرية والعقيدة، ثم يطالب باعتراف الداخل والخارج كأنّه حكم وطني مسؤول. في الساحل والسويداء رأينا أنّ اللجوء إلى العنف ليس عارضاً، بل “حلّ” فطري حين يواجه مشروعٌ أحادي التكوين تعدداً لا يحتمله. ومع الإدارة الذاتية شرقيّ الفرات يتكرّس الثابت البنيوي ذاته: لا شراكة دون تبعيّة. تُعرَض التسويات ككرم سياسي، ثم تُسحب ساعة الاختبار. هكذا تُفرغ “الشرعية” من مضمونها وتُعاد تعبئتها بخطاب الهوية.
منذ هروب بشار الأسد يتداول السوريون مصطلح “شرعية سنية” العبارة ذاتها فخّ مفاهيمي. ليست المشكلة في سنيّة أو علوية الشرعية أو غيرهما؛ المشكلة في تحويل الهوية امتيازاً سيادياً، وفي قياس الدولة بمسطرة العصبية. الدولة العامة لا تُبنى بتمركز هوية واحدة على القمّة، وإنما بتوزيع السلطة أفقياً وتقييدها عمودياً بالقانون والتمثيل والمساءلة. كل “شرعية” تُصاغ بهذا الفهم الهويّاتي تعني عملياً إعادة تدوير الاستبداد بلسان جديد.
وإذا ضُمَّ الخارجي إلى الداخلي اشتدّ العطب. المحور التركي-السعودي لا يتصرف كراعٍ لتأسيس دولة وطنية قابلة للحياة، وإنما كمهندس توازنات يجعل من دمشق عقدة نفوذ سُنّي مفترض في مواجهة خصومه. إسرائيل تعمل على وصفة مفتوحة: سورية ضعيفة، متشرذمة، بلا سيادة متماسكة ولا جيش يُحسب له حساب. الولايات المتحدة تدير الصراع كي لا يستقرّ على شيء: لا انهيار نهائي يضرّ بمصالحها، ولا قيام نظام متماسك قد يستعصي عليها. في هذه الشبكة لا ينجو أي مشروع وطني بصفاء النيات، وإنما بذكاء مقاومة التبعية: الاستفادة من الدعم دون الارتهان له، تحويل الرعاية إلى ضمانات لعقد مكتوب ومعايير حكم، لا إلى تفويض مفتوح يُستنزف في سوق السرديات.
غير أنّ العطب الأشدّ ليس خارجياً بالمطلق. إنّه في عجز نخب الحكم والمعارضة معاً عن نقل السياسة من ثنائية “غالب ومغلوب” إلى تقاليد التفاوض والتعاقد. نخب تشبّعت بعقل الدولة الأمنية، فترتعب من المشاركة لأنّها تكسر وهم السيطرة، وترتاب من اللامركزية لأنّها تفضح عجز المركز. والحال أنّ اللامركزية ليست مكافأة ولا مؤامرة؛ هي توصيف لواقع قائم: البلاد موزّعة الفعل والقرار، لكن خارج القانون. ما يجري اليوم لامركزية ميليشياوية تُعيد إنتاج الاستبداد على مقاييس صغيرة: محافظات وبلدات تحكمها أذرع القوة لا مؤسسات الخدمة. الطريق إلى دولة عامة يمرّ عبر تقنين هذه الحقيقة: لامركزية دستورية مقيّدة بوحدة السيادة، تنظّم توزيع السلطة ولا تقاسمها، وتضمن مشاركة المناطق في القرار المركزي بدل أن تتركها رهينة الأمر الواقع.
غير أن هذا التحول الجذري من المركزية إلى اللامركزية، ومن الهيمنة إلى التعاقد، ومن الهوية الضيقة إلى المواطنة، يتطلب أكثر من تعديلات دستورية أو إصلاحات إدارية. إنه يستلزم ثورة في الوعي السياسي والثقافة العامة، ثورة تعيد تعريف معنى السياسة نفسها: من صراع على الغنائم إلى تعاون في حلّ المشكلات، ومن منافسة هويّاتية إلى منافسة في خدمة المصلحة العامة. ثورة كهذه لا تُفرض من فوق ولا تولد بين ليلة وضحاها، تحتاج إلى جيل جديد من المثقفين والسياسيين لم يفسده الاستبداد ولم تشوّهه الحرب، جيل قادر على تخيّل أشكال جديدة للعيش المشترك ولإدارة الدولة.
هنا تكمن المأساة الحقيقية: ليست فقط في استمرار المعاناة المادية القاسية، لكن في ضياع الفرصة التاريخية التي فتحها سقوط النظام القديم لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس مغايرة. هذا الضياع نتيجة لهيمنة عقلية سياسية عاجزة عن التعلم من التجربة وعن قراءة متطلبات العصر. وكسر الحلقة المفرغة يتطلب شجاعة فكرية وسياسية غير مألوفة: شجاعة في مواجهة الحقائق المريرة، وفي زعزعة المسلّمات الراسخة، وفي اختبار أشكال جديدة للحكم مهما بدت غريبة أو عسيرة التطبيق. أما الاستسلام للخوف من الجديد فمعناه ببساطة البقاء في دوامة الأزمات نفسها، وإعادة إنتاج العجز إلى ما لا نهاية.
التعاقد الوطني غير ممكن دون قاعدة مقابلة للعنف: نزع السلاح خارج الدولة مقابل مشاركة فعلية داخلها، هذا ليس شعاراً. معناه العملي تفكيك التشكيلات العقائدية المسلّحة، بما فيها المجموعات الأجنبية، وتجفيف اقتصادياتها، ودمجٌ انتقائيٌّ في قوة مسلّحة عمومية بتمثيل مناطقي-اجتماعي واضح، خاضعة لرقابة مدنية وبرلمانية وقضائية، بمشتريات معلنة، وبآلية شكاوى ملزمة للمواطنين. وعلى الجانب الآخر، إعادة تشكيل السلطة المركزية نفسها: إعلان دستوري “حقيقي” مؤقت يعترف بالتعدد ويتعهّد بالمواطنة المتساوية، حكومة انتقالية موسعة لا تستبعد قوى المجتمع الصلبة، مجلس تشريعي انتقالي بتركيب مختلط (تمثيل مناطقي-سكاني) يشرّع ويراقب، ونظام إدارة محلية ينقل القرار والخدمة حيث يعيش الناس، ويُخضع البلديات لتدقيق دوري وموازنات منشورة وعقود علنية ومناقصات مفتوحة. إذاً الحل بسيط: القانون بدل الفتوى، المشاركة بدل المحاصصة، السيادة الواحدة بدل الغلبة، التمثيل بدل الوكالة، الخدمة بدل الرعاية، الاعتراف بدل الإلغاء: هذا هو قاموس العقد.
العدالة هنا ليست بنداً تجميلياً ولا محاكمات صورية (غير قانونية)، هي شرط أخلاقي وسياسي لبقاء العقد. عدالة انتقالية لا تُختَزل بجرائم “النظام البائد؛ ثم تغضّ الطرف عن جرائم الجماعات الإسلامية وأمراء الحرب وميليشيات الحماية والعصابات المحلية. العدالة إطار للحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، لا ثأراً ولا غسلَ سمعة. أي صيغة تُفاضل بين الضحايا ستعيد إنتاج العنف. لا طريق من هندسة النسيان إلا إلى دورة قادمة من الإذلال والانتقام. المطلوب لجنة حقيقة مستقلة بصلاحيات أرشفة واستدعاء وحماية شهود، ونيابات متخصصة ومحاكم متوازنة، وبرنامج جبر ضرر مالي ورمزي بآليات تمويل شفافة وجداول زمنية معلنة. من دون زمن تُختزل العدالة إلى شعار.
والانتقال من خطاب الهوية إلى خطاب الخدمة هو الاختبار القاسي لهذه السلطة ومن يعارضها. السياسة ليست إدارة الرموز، السياسة إدارة الماء والقمح والكهرباء والدواء والتعليم والأمن العام. برنامج حكومة انتقالية جدّي يعرّف نفسه بمؤشرات قابلة للقياس، تصدر عن الناس لا عن السلطة: ساعات تغذية كهربائية للفرد، نسب تشغيل محلي وخاصة للشباب والنساء، معدلات تضخم موثقة، عدد مدارس ومراكز صحية مُعاد تأهيلها، كيلومترات طرق مُرمّمة، ملفات مفقودين مُنجَزة ومعلنة بأرقامها. تُبنى الشرعية الجديدة بهذه المؤشرات وتُسحب بها أيضاً. إدارة اليوميات ببلاغة العقيدة توكيد يومي أننا ما زلنا في ما قبل الدولة ولو تبدلت الرايات والألقاب.
اللامركزية الدستورية تحتاج ماليةً عادلة ليس إدارةً وحسب. بحيث لا تتحول البلديات إلى إقطاعيات محلية ولا يبقى المركز خزّاناً بلا رقابة. المعادلة البسيطة: إيرادات محلية يُخصَّص منها نصيب ثابت للخدمة في المصدر، ونصيب لصندوق توازن وطني يقي الفوارق، ونصيب مشروط بمؤشرات خدمة معلنة. بهذه الصيغة تُكافئ الكفاءة ولا تُكرَّس المحسوبيات، وتُسند السيادة الواحدة بأذرع خدمة متعددة.
فيما يتعلق بالخارج. رفع العقوبات حاجة عامة لا مراء فيها، لكنه لا يجب أن ينقلب صكًّا لتفويض الاحتكار. كل دولار يدخل ينبغي أن يعبر شبكة قواعد: استقلالية البنك المركزي، تقييد الإنفاق العسكري، أولوية إعادة الخدمات الأساسية، حوكمة مشتركة للصناديق، ونشر دوري للبيانات. التعافي بلا شفافية تعافٍ من الدولة لا لها. المانح الذي لا يمر عبر الخزينة الشفافة يشتري نفوذاً، والمتلقي الذي ينفق بلا إعلان يعيد إنتاج اقتصاد الغنيمة.
غير أنّ كل هذا يبقى حبراً إن لم تتبدّل الهرميات غير المكتوبة التي تدير الوعي العام: تقديس القوة الغاشمة، ربط الدين بشرعية الحكم، اعتبار المخالف خصماً وجودياً. تفكيك هذه المصفوفة يحتاج عملاً فكرياً واجتماعياً موازياً: إعلاماً لا يعيش من التحريض بل من المهنية، تربيةً مدنية تُدخل المواطنة إلى الصفّ قبل المنبر، مؤسسات ثقافية محلية تعيد بناء “الفضاء العام” خارج قبضة السلطة والميليشيا. الدولة العامة لا تقوم بقرار واحد؛ تقوم مع نشوء مجتمع عام يسبقها ويصحّحها.
لا بد أيضاً من اقتصاد يخرج من فقه “الغنيمة” إلى “الخدمة”. لا معنى لخطط إعمار كبرى بلا مقاس يومي على حياة الناس. الاقتصاد السياسي للعقد المقترح بسيط ومفصلي: ضبط الحدود لمحاربة اقتصاد التهريب والمخدرات، تفكيك الاحتكارات الكبرى في الاتصالات والوقود والقمح، إصلاح ضريبي تصاعدي عادل يوسّع القاعدة ويكافئ الإنتاج الصغير، سوق عمل مرنة تحمي العامل ولا تعاقب صاحب العمل، وقاعدة ذهبية للإنفاق العام تُقدّم الصحة والتعليم والماء والكهرباء على الجدران والإعلانات. المؤشرات هنا ليست ترفاً تقنياً: هي لائحة حياة كريمة وعادلة نستحقها بعد عقود من الظلم. حين تنخفض كلفة العنف على السكان، ويتراجع زمن الوصول إلى الخدمة، ويُعلن العقد والإنفاق والنتائج، تكون الدولة قد خطت أول خطوة خارج اقتصاد الغنيمة.
سيقال إننا نطالب بالمستحيل وسط انقسام الداخل وتشابك الخارج. لكن الحقيقة أننا نطالب بالممكن الوحيد: الممكن الذي يوقف دوّامة “الشرعية الهويّاتية” ويعيد السياسة إلى معناها المدني. لا أحد يحكم في بلد تعددي لأنه ابن طائفة أو وريث عشيرة، لكن لأنه يقبل أن يحكم وفق قواعد يتساوى عندها المختلفون. أي مشروع يتنكّر لهذه الحقيقة محكوم بمنطق الغلبة: يهادن حين يُهزم، يستأسد حين يتفوق، ويستدعي السلاح ساعة تعوزه الحجة. هكذا رأينا كيف تتحول المدن إلى ثكنات كلما فُضلت “الفزعة” على الحوار، والفتوى على القانون، والبيعة على الانتخاب. هذا ليس قدرنا المحتوم، إنه إعادة تدوير للهزيمة نفسها: حكم بلا عقد، وشرعية بلا دولة.
ما يزال الباب موارباً ولم يغلق بعد. سقوط النسخة الأسدية من الدولة الأمنية فتح نافذة تأسيسية، أضعنا منها الكثير واستبقينا منها ما يكفي. يمكن للشرعية أن تعود إلى معناها المدني إنْ جرّبنا ما لم نجربه: تعاقدٌ صريح على نزع السلاح مقابل المشاركة، لامركزية دستورية تحمي الوحدة ولا تبتلعها، عدالة انتقالية لا تستثني جلّاداً لأنّه “من جماعتنا”، واقتصاد خدمة لا اقتصاد غنيمة. عندها لن نحتاج إلى شرعية “سنية” ولا “علوية” ولا “درزية” ولا أي صيغة قرابية للسيادة؛ سنحتاج إلى شرعية واحدة اسمها: قدرة الدولة على جعل الحياة ممكنة للجميع.
الدولة ليست هوية معلّقة فوق الرؤوس، إنها شبكة خدمة تحت أقدام الناس. من يحكم بالهوية يربح جماعته ويخسر وطنه، ومن يحكم بالخدمة يخسر أسطورته المتخيَّلة ويربح دولة قابلة للحياة. خمسون عامًا جُرِّبت فيها عقلية الشرطي، فلتُمنَح الآن فرصة لعقلية القاضي؛ عقلية القانون والعدل لا عقلية القمع والمطاردة. ما نحتاجه ليس أكثرية جديدة تُعيد إنتاج الأقلية، نحتاج قطيعة نهائية مع وهم الأكثرية والأقليات معاً. الباقي، مهما كبر في العيون، تفاصيل.