سوريا واللاعنف: كيف تبدأ العدالة بعد الحرب؟

مقالة ,

في سوريا، يبدأ أحد أصعب اختبارات المرحلة الجديدة من سؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه: كيف تتحول سنوات العنف إلى درس في بناء الدولة، وكيف تصبح الذاكرة مدخلاً إلى العدالة؟

يأتي اليوم الدولي للاعنف في الثاني من تشرين الأول، وهو اليوم الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2007، بالتزامن مع ذكرى ميلاد المهاتما غاندي، لنشر ثقافة السلام والتسامح والتفاهم وتعزيز وسائل التغيير السلمي.  

يحمل هذا المعنى خصوصية في التجربة السورية. بدأت احتجاجات عام 2011 بحراك سلمي واسع، ثم دخلت البلاد في نزاع مسلح طويل ترك وراءه ضحايا وناجين ومعتقلين ومهجرين ومفقودين، إلى جانب ذاكرة اجتماعية مثقلة بالخوف والانقسام. ومع الانتقال السياسي، يعود سؤال التغيير إلى المجال العام من زاوية جديدة: كيف تُبنى علاقة مختلفة بين المواطن والدولة، وكيف يصبح الاختلاف جزءاً من الحياة السياسية؟

هنا تكتسب العدالة الانتقالية مكانتها الأساسية. تتعامل العدالة الانتقالية مع إرث الانتهاكات عبر الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات وضمانات عدم التكرار. وفي سوريا، بدأت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عملها، فيما يجري النظر في مشروع قانون للعدالة الانتقالية. كما توسع التعاون بين الهيئة والآلية الدولية المحايدة والمستقلة بشأن سوريا في مجالات جمع الأدلة وإدارتها وحفظها، وشهد عام 2026 تدريبات مشتركة في التحقيق ومقابلة الضحايا والناجين والمشتبه بهم.

وتظهر أهمية هذا المسار في مفهوم المسؤولية الفردية. الجريمة ترتبط بالفعل وصاحبه ودوره وقراره، والمحاسبة تستند إلى هذه العلاقة. بهذه القاعدة تصبح العدالة قادرة على حماية المجتمع من انتقال المسؤولية من الفرد إلى الجماعة، وعلى منح الضحايا حقهم في الحقيقة والمساءلة، مع فتح مساحة لجبر الضرر واستعادة الثقة.

فالعدالة هنا أيضا استعادة مكان الضحية في المجال العام، ومنح تجربته الاعتراف الذي تحتاجه الذاكرة كي تتحول إلى معرفة مشتركة.

لكن العدالة تحتاج أيضاً إلى بيئة اجتماعية وسياسية تستطيع حملها. الحرب تركت حساسيات عميقة بين جماعات ومناطق وهويات مختلفة. وفي فضاء رقمي سريع الانتشار، يمكن لعبارة تحريضية أو رواية غير دقيقة أن توسع دائرة الخوف، وأن تحول حادثة محددة إلى خصومة بين جماعات. لذلك يرتبط تجاوز إرث العنف أيضاً بطريقة استخدام اللغة العامة.

يحتاج السوريون إلى مساحة يستطيع فيها الضحايا رواية تجاربهم، ويستطيع المواطنون التعبير عن مطالبهم وانتقاداتهم، وتستطيع الصحافة مساءلة أصحاب القرار. وتصبح الدقة في نقل الوقائع، والتحقق من المعلومات، واختيار المصطلحات، جزءاً من مسؤولية الإعلام في مرحلة تتشكل فيها ذاكرة جديدة للحرب.

من هنا يأخذ اللاعنف معنى أوسع من الاحتجاج السلمي. إنه طريقة في إدارة الاختلاف، وفي ممارسة السياسة، وفي التعامل مع الألم والذاكرة. الحوار يصبح أداة سياسية، والمساءلة ممارسة قانونية، وحرية التعبير مساحة لحماية المجتمع من تراكم الصمت والخوف.

السؤال الأهم أمام سوريا يرتبط بما سيحدث لهذه التجربة في السنوات المقبلة. هل تستطيع العدالة أن تصبح جزءاً من الحياة العامة، بحيث يشعر المواطن أن الدولة قادرة على حماية حقه، وأن الخلاف يمكن أن يجد مكانه داخل السياسة، وأن الذاكرة تستطيع أن تتجه نحو المستقبل؟

ربما هنا يكمن المعنى الأعمق للاعنف: أن تتغير علاقة المجتمع بالقوة نفسها.

حين تصبح قوة الدولة مرتبطة بحماية الحقوق، وقوة السياسة مرتبطة بالقدرة على الإقناع، وقوة المجتمع مرتبطة بقدرته على التعبير والمشاركة، يصبح الخروج من الحرب أكثر من نهاية لمرحلة دموية. يصبح بداية لتحول في معنى السلطة، وفي معنى المواطنة، وفي الطريقة التي يختلف بها السوريون من دون أن يخسر أحدهم حقه في أن يكون جزءاً من سوريا.

مقالات للكاتب/ة

المزيد من المقالات