الطائرة التي أحرجت سورية وإسرائيل … التاريخ الذي لم يروى بعد

في صبيحة الحادي عشر من تشرين الأول لعام ١٩٨٩، أقلعت طائرة ميج ٢٣ أم أل رقمها التسلسلي ٢٧٨٦ من مطار بلي العسكري الواقع في جنوب العاصمة دمشق في محافظة ريف دمشق، وعلى بداية أوتستراد دمشق – السويداء (طريق ١١٠)، أقلعت بقيادة الرائد الطيار بسام العدل.

  أقلع الطيار بسام العدل بطائرته ضمن مهمة اعتيادية برفقة طائرتين أخريين، يتضمن تحليق التشكيل الطيران على مقربة من جبهة الجولان. فجأة دون سابق إنذار أنفصل بسام العدل عن التشكيل وقطع اتصالاته اللاسلكية بحجة عطل فنية في طائرته. وحلّق بسرعة عالية جدًا وعلى ارتفاع منخفض يتراوح ما بين ٢٥ متر إلى ٤٥ متر عن سطح الأرض ليتفادى شاشات الرادار التابع للدفاع الجوي الإسرائيلي والسوري معًا خوفًا من ضربه وأسقاطه. المفاجأة، أنه بوقت قياسي أستطاع اختراق حدود الأرض المحتلة.

كيف استطاع الطيار بسام العدل اختراق المجال الجوي الإسرائيلي؟

  • الطيران بارتفاع منخفض جدًا: كما ذكرت سالفًا بأن المناورة التي قام بها الطيار بسام العدل هي من أنجحت خطة هروبه، بالفعل كانت مناورة جريئة للغاية لا تتعدى ٤٥ أو ٥٠ مترًا في أحسن الأحوال. هذه المناورة استخدم فيها الطيار بسام العدل التضاريس الأرضية كغطاء طبيعي لحجب طائرته من العرض على شاشات الرادار الإسرائيلي والدفاع الجوي السوري معًا. فلو اكتشفت طائرته أو أخطأ في المناورة لكان حكم على  نفسه بالموت المحتوم.
  • قطع الاتصالات اللاسلكية: قبل تنفيذ المناورة الخطيرة قطع بسام العدل اتصالاته اللاسلكية معلل بذلك، بأن الطائرة تواجه “عطل فني في الطائرة”. وهذا التكتيك ما منح فرصة لعدم كشف إشارات طائرته على أجهزة الحرب الإلكترونية السورية والإسرائيلية على حد السواء وهذا ما أمنحه ميزة “عنصر المفاجأة” التي أحرجت سورية وإسرائيل معًا.
  • السرعة الفائقة: اندفع كالسهم بالمقاييس العسكرية بسرعة جنونية وصلت نحو ١٢٥٠ كم\ سا. مما قلص زمن رد الفعل من الدفاعات الجوية السورية والإسرائيلية. كان الطيار بسام العدل ذكي واستطاع بذكائه معرفة بأن زمن رد فعل ما بين دقيقة أو دقيقتين لحين صدور قرار إسقاط طائرته معا من قبل قادة الدفاعات السوري والإسرائيلي. خلال ٦ دقائق هبطت طائرته سليمة وفي حالة الجاهزية التامة.
  • التواصل المباشر قبل الهبوط: بعد اختراق الطيار بسام العدل الأجواء الإسرائيلية واقترابه من تحقيق هدفه. هناك روايتان عند هبوطه، (فتح اتصاله اللاسلكي مع الإسرائيليين عبر شفرات معينة معلنًا نيته الهبوط وطالبًا اللجوء السياسي. وبعدها واكبت رحلته طائرتي أف ١٦ وهبط على أحد مدارج مطار مجدو المدني)، وهذه رواية ضعيفة لأنه لا تعتمد على صحة الأسباب التي ذكرت والسبب المقنع هو أن الطيار هبط على مدرج مطار زراعي. الرواية الأصح هو أنه بعد رؤيته لمهبط طائرات قرب حيفا قرار الهبوط على مدرج مطار مجدو الزراعي أي هبط بمفرده ولم يرصده الرادار الإسرائيلي إلا قبل دقيقتين من ملامسته الأرض. أما بالنسبة لملاحقته طائرتي أف ١٦ عندما أعاد الطيار بسام العدل مناورته للإسرائيليين لدراسة وتقيم طائرة الميج ٢٣ بعد أيام أو أسابيع من حادثة الانشقاق وتوثيق قدراته في حال المواجهة مستقبلًا. بعد هبوط  طائرة الميج ٢٣ السورية وسط ذهول اﻹسرائيليين، الطائرة كانت سليمة تمامًا رابضة على مدرج زراعي تستخدمه طائرات رش المبيدات الزراعية، كانت الطائرة غير مذخرة.

كيف كانت ردود الأفعال المباشرة؟ أعلنت السلطات السورية بأن الطائرة اضطرت للهبوط في الأرض المحتلة نتيجة عطل فني مفاجئ، وطالبت من إسرائيل تسليم الطائرة والطيار. إلا أن خروج الطيار بسام العدل في مؤتمر صحفي معلنًا عن نيته في اللجوء السياسي. بعدها أصدرت السلطات السورية بيانًا رسميًا اتهمت الطيار بسام العدل بالخيانة العظمى والعمالة لصالح جهاد الموساد الإسرائيلي.

   أما بالنسبة لإسرائيل: شكلت الحادثة صدمة كبيرة وإحراج كبير لجيش الدفاع الإسرائيلي وخاصةً من بلد معاديًا له، وكشفت الخطأ الذي يكون قاتلًا في حالة الموجهة مع دمشق. لكن اعتبرت إسرائيل بأن الطائرة كنزًا ثمينًا لأن، هذه الحادثة الأولى التي تسقط طائرة من هذا الطراز بيد إسرائيل والغرب معًا بشكل سليم خارج الكتلة السوفيتية.

  أشرف معهد الطيران التابع لسلاح الجو الإسرائيلي، وشركة صناعات الفضاء الإسرائيلية على عملية الفحص الفني ودراسة المقاتلة ودراسة المحرك والإلكترونيات والرادار تفصيليًا أي بمعنى صامولة صامولة لفهم الهندسة السوفيتية، وقاد طيارون اختبار الطائرة ما بين ١٢ أو ١٨ رحلة تجريبية لدراسة قدراتها على التسارع والمناورة ومقارنتها مع الأف ١٥ والـ ١٦ وإمكانية تطوير طائراتهم في حالة حدوث مواجهة مع سورية التي تشكل طائرة الميج ٢٣ أم أل وأم أل دي رأس الحربة. كما شارك الطيار بسام العدل ضمن الفريق الاستشاري لتعليم الطيارين الإسرائيليين على قيادة الميج ٢٣ والتعامل مع أنظمتها ودراسة مناورته في دخول الأجواء الإسرائيلية.

   شارك خبراء فنيون من الولايات المتحدة ضمن فريق استخباري وفني في تقييم الطائرة، صدموا عندما وجدوا بأن معدل سرعة الميج ٢٣ عالية والتحليق السريع على الارتفاعات العالية مقارنةً بطائراتهم الأف 16 الخفيفة التي تعتبر أحدث من الميج 23 التي يأتي تصنيفها من الجيل الثالث أما الأف 16 من الجيل الرابع.

هل بالفعل حاول الطيار بسام العدل من قبل؟

  ذكرت جريدة زمان الوصل بناءً على شهادات طيارين سابقين من سلاح الجو، بأن الطيار بسام العدل حاول الفرار من قبل والنظام تغاضى عنه، بسبب خلو الأرشيف الأمني من مذكرة اعتقال بحق بسام العدل. لكن الحقيقة مغايرة تمامًا على ما ذكر لإن عائلة الطيار بسام العدل واجهت انتقامًا قاسيًا من قبل النظام التي كانت تقيم في حي “محطة بغداد” في مدينة حلب تفرقت مصائرهم ما بين الاعتقال والتشرد والموت.

  • الوالد والوالدة: أودعتهما الأجهزة الأمنية السورية السجن فورًا بقرار من المخابرات العسكرية. وبسبب ظروف السجن توفي  الأب والأم في المعتقل دون الإفراج عنهما.
  • الأخ الأول (عبدالحميد): غادر سورية إلى اليونان قبل عملية الفرار تقريبًا قبل شهر، وعند سماعه نبأ فرار أخوه واعتقال أخوته لم يعد إلى سورية من حينها.
  • الأخ الثاني: كان يعيش في مدينة دمشق، وجرى توقيفه في سجن عدرا المركزي دون الإفراج عنه لا بحكم قضائي أو عفو عام شمله.
  • الأخت الوحيدة: اعتقلت لفترة من الزمن داخل السجن، قبل أن يفرج عنها لاحقًا. وتزوجت بعد خروجها من السجن من الإعلامي الرياضي “كامل نجمة”، وعاشت  في منزل أهلها القديم.

   بعد فرار الطيار بسام العدل شهدت المطارات العسكرية في سورية حالة من الاستنفار الأمني والتحقيقات القاسية التي طالت الطيارين المقربين من الطيار العدل في السرب، وكان الهدف من كل هذه التحقيقات كشف أي تواطؤ أو تسهيل من قبل السلطات في المطار. تحاول المخابرات العسكرية كشف أي خيوط في مساعدة الطيار على الهرب أو تواجد شبكة تجسس تعمل لصالح جهاز الموساد الإسرائيلي.

لماذا الطيار بسام العدل خان بلاده وسلم طائرته إلى العدو؟

   لو تعمقنا في دراسة شخصية الطيار بسام العدل لعرفنا الإجابة على هذا السؤال، ولد في عام ١٩٥٥، عائلته تنحدر من ريف إدلب. بحسب شهادات المقربين والده كان يعمل مديرًا لمدرسة “عدنان المدني” وكانت تقيم عائلته في حي “محطة بغداد” بمدينة حلب.

   كان حلمه منذ الصغر بأن يصبح طيارًا، وتخرج من الكلية الجوية كطيار مقاتل. أظهر كفاءة في قيادة الميج ٢١، مما أهله لابتعاثه إلى روسيا في دورات لقيادة الميج 23 الاعتراضية التي كانت تعتبر من أهم الطائرات وأحدث الطائرات في سلاح الجو السوري. لكن حياته الاجتماعية كان عازبًا ويعاني من مشاكل مسلكية وسلوكية؛ حيث عرف بأنه مدمن للكحول بشكل دائم وكان يوشي ضد زملائه في المطار.

  أما بعد الانشقاق مع مرور السنوات، وانتهاء المنفعة الاستخباراتية أي بعد تفريغه من المعلومات، تغيرت حياته بشكل دراماتيكي، وفقًا للمصادر التاريخية. فقد تخلى عنه جهاز الموساد الإسرائيلي وتحول إلى مشرد في شوارع إسرائيل بل، سكن في حاوية النفايات؛ ونتيجة لتدهور حياته المادية تورط في أعمال جنائية لكسب قوته اليومي.

  ففي عام 2005، أصدرت المحكمة المركزية الإسرائيلية حكمًا بالسجن بحقه لمدة 16 شهرًا بسبب محاولته إضرام النيران داخل سيارة أحد المواطنين في مدينة باقة الغربية داخل الخط الأخضر، مقابل الحصول على مبلغ مالي زهيد (١٠٠٠$) من الشخص الذي كان يأويه في حاوية النفايات.

   ففي الختام، كان الرائد الطيار بسام العدل ذكيًا وأبدى مهارة في قيادة الميج ٢٣ أم أل لم يسبق لأي طيار أن يفعلها، والمناورة التي قام بها تدرس في جميع الكليات الجوية بل، كشف النقاط العمياء للرادار السوري والإسرائيلي على حد السواء، ولكن كان سريعًا في اتخاذ قرارته ومتهورًا في حياته الشخصية ونتيجة لذلك، عاش حياته مشردًا في شوارع إسرائيل. طيار أحرج السلطات السورية والإسرائيلية بمناورته ولكنه لم يحسب لنفسه عواقب الخيانة ولم يرسم لنفسه طريق الكرامة بل، ساعد العدو على معرفة الإسرار التي كان مؤتمن عليه وبعد تفريغه من كل شيء مفيدًا رمي في الشوارع وماتت والده وأمه في المعتقل.

   في ضوء هذه المصادر، لم يكن النظام على دراية في البداية حتى بعد الهبوط في إسرائيل كان النظام يحسب بإن الطائرة هبطت نتيجة عطل فني وطالبت تسليمها عبر الصليب الأحمر، إلا بعد خروج الفار بسام العدل في مؤتمر هنا صرحت السلطات السورية بأنه خائنًا وكل ما يذكر خلافًا لذلك فهو عارية عن الصحة وخلافًا للمنطق السائد.

المصادر والمراجع:

ويكيبيديا عربية

بسام العدل – ويكيبيديا https://share.google/eoSur26LSxitBsoa0

جريدة زمان الوصل

www.zamanalwsl.net https://share.google/JmVW7WdQHI6VMsk3n

The Washington Post

 SYRIAN LANDS MIG-23 IN ISRAEL, REPORTEDLY ASKS FOR ASYLUM – The Washington Post https://share.google/8SAab3lp7Q7dRLuWQ

The New York Times

Syrian Pilot’s Escape to Israel Was a ‘Very Difficult Mission’ – The New York Times https://share.google/Zo5WpiMmFhZPhSUac

مقالات للكاتب/ة

assorted book lot

تراجيديا القدر

لقراءة المزيد