هل سقط النظام في 8 ديسمبر 2024 ؟

مقالة

في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 سقط بشار الأسد

هذه حقيقة سياسية وتاريخية لا تحتاج إلى كثير من الجدل

لكن السؤال الذي أعتقد أننا لم نتوقف أمامه بما يكفي هو سؤال آخر

هل سقط النظام؟

قد يبدو الفرق بين السؤالين لغويا لكنه في الحقيقة فرق جوهري

فالسوريون الذين خرجوا إلى الشوارع عام 2011 لم يهتفوا

«الشعب يريد إسقاط بشار الأسد»

كان الشعار

«الشعب يريد إسقاط النظام»

وهذه العبارة هي نقطة البداية التي يجب أن نعود إليها اليوم

لأنها تعني أن المشكلة في وعي جزء كبير من السوريين لم تكن في شخص الحاكم وحده وإنما في طريقة الحكم نفسها

كانت المشكلة في دولة لا يشعر المواطن أنها دولته وفي سلطة فوق القانون وفي أجهزة أمنية تستطيع أن تفعل ما تشاء وفي اقتصاد تتشابك فيه السلطة والثروة وفي مؤسسات لا تعمل لمصلحة الناس بقدر ما تعمل لمصلحة من يملكون النفوذ

ولهذا، فإن سقوط رأس النظام لا يجيب وحده عن سؤال سقوط النظام

النظام ليس شخصا

إذا أردنا أن نعرف هل سقط النظام فعلا فعلينا أولا أن نحدد ماذا نعني بكلمة النظام

النظام ليس رئيس الجمهورية فقط وليس حزبا فقط وليس أجهزة أمنية فقط

النظام هو منظومة كاملة لممارسة السلطة هو الطريقة التي تُتخذ بها القرارات هو علاقة الحاكم بالقانون هو علاقة الدولة بالمواطن هو موقع الأجهزة الأمنية داخل الدولة هو حدود سلطة المسؤول و استقلال القضاء و طريقة إدارة المال العام و العلاقة بين السلطة ورجال الأعمال و طريقة توزيع الموارد

هو ما إذا كانت مؤسسات الدولة تعمل وفق القانون أم وفق إرادة الأشخاص

وهو أيضا الثقافة السياسية التي تجعل المسؤول يتعامل مع الدولة وكأنها ملك خاص والمواطن وكأنه تابع لها

إذا كان هذا هو معنى النظام فإن السؤال يصبح مختلفا تماما

هل تغيرت هذه المنظومة بعد 8 ديسمبر؟

لا يكفي أن يتغير اسم الحاكم

يمكن أن تتغير السلطة من الأعلى إلى الأسفل وتتغير الأسماء والصور والشعارات بينما تبقى الدولة تدار بالعقلية نفسها

وهنا تكمن المشكلة لأن تغيير الأشخاص لا يعني بالضرورة تغيير النظام

يمكن أن يأتي حاكم جديد ويستخدم اللغة الجديدة ويرفع شعارات مختلفة ويقدم نفسه باعتباره قطيعة مع الماضي لكنه إذا احتفظ بالأدوات نفسها وبالعلاقة نفسها مع المجتمع وبالمنطق نفسه في إدارة الدولة فإن السؤال عن حجم التغيير يصبح مشروعا

بل إن معيار التغيير الحقيقي لا ينبغي أن يكون

من يجلس في القصر؟

بل كيف تمارس السلطة؟

ماذا عن التعذيب؟

إذا كان أحد أهم أسباب رفض السوريين للنظام السابق هو الاعتقال التعسفي والتعذيب فإن السؤال بعد سقوطه لا ينبغي أن يكون فقط: من كان يعذب؟ بل

هل انتهى التعذيب باعتباره ممارسة من ممارسات السلطة؟

إذا استمر التعذيب في السجون وإذا استمر الموت تحت التعذيب وإذا ظل المعتقل في مواجهة جهاز لا يخضع للمساءلة فهنا نحن أمام مشكلة تتجاوز الأشخاص

لأن التعذيب في هذه الحالة لا يعود مجرد جريمة ارتكبها مسؤول أو جهاز بعينه يصبح تعبيرا عن علاقة السلطة بالمواطن

وهنا تحديدا يمكن أن نختبر معنى سقوط النظام

فالنظام الذي يجعل جسد الإنسان وكرامته خارج الحماية القانونية لم يسقط بمجرد تغيير المسؤول عن السجن

إذا بقيت الممارسة نفسها فهناك شيء من النظام القديم لا يزال حيا

السلطة التي لا تعرف حدودا

من أبرز علامات النظام الذي ثار عليه السوريون أن السلطة كانت أكبر من القانون

كان المسؤول يستطيع أن يتجاوز

والجهاز يستطيع أن يتجاوز

والقرار السياسي يستطيع أن يتجاوز

وكان المواطن هو الحلقة الأضعف

لذلك فإن أي سلطة جديدة يفترض أن يكون أول اختبار لها هو

هل تقبل بأن تكون السلطة نفسها مقيدة؟

هل تلتزم بالإعلان الدستوري؟

هل تخضع قراراتها للقانون؟

هل توجد مؤسسات تستطيع مساءلتها؟

هل يستطيع المواطن أن يعترض دون أن يتحول اعتراضه إلى جريمة؟

هل تستطيع الصحافة أن تنتقد؟

هل يستطيع القضاء أن يقول «لا» للسلطة؟

لأن الإعلان الدستوري ليس زينة سياسية والقانون ليس نصا يستخدم عندما يناسب السلطة

إذا كانت السلطة الجديدة تتجاوز النصوص التي وضعتها هي نفسها فإن المشكلة ليست في مخالفة مادة هنا أو مادة هناك

المشكلة في فكرة السلطة ذاتها

فكيف يمكن أن نقول إننا أسقطنا نظاما يقوم على تغول السلطة إذا كنا نعيد إنتاج تغول السلطة بطريقة جديدة؟

عندما تصبح الدولة ملكا لمجموعة

من أكثر الأفكار التي يجب أن نتخلص منها هي فكرة أن الدولة غنيمة

الدولة ليست ملكا للرئيس

وليست ملكا لعائلته

وليست ملكا للحزب أو لمجموعة معينة

وليست ملكا للأجهزة الأمنية

وليست ملكا لمجموعة من رجال الأعمال المقربين من السلطة

الدولة ملك للمواطنين

ولهذا فإن إحدى أهم علامات سقوط النظام هي أن تتوقف الدولة عن العمل باعتبارها مساحة مغلقة لمجموعة محددة من الأشخاص والعائلات والشبكات

لكن إذا بقيت الدولة تدار وكأنها ملك لمجموعة محددة وإذا بقي الوصول إلى النفوذ والثروة مرتبطا بالقرب من السلطة وإذا بقيت المصالح الاقتصادية والسياسية متشابكة بعيدا عن الرقابة العامة كحال الصندوق السيادي وغيره فإننا أمام استمرار لواحدة من أهم خصائص النظام القديم

قد تتغير الأسماء

قد تتغير العائلات

قد تتغير الوجوه

لكن العقد المصلحي نفسه قد يبقى قائما

رجال أموال يحصلون على الامتيازات والنفوذ وسلطة تحصل على الولاء والمصالح بينما يبقى المواطن خارج هذه المعادلة

وهنا لا تعود القضية قضية فساد أفراد فقط

إنها قضية بنية اقتصادية وسياسية

من يدفع ثمن الأولويات الخاطئة؟

يمكن أن نعرف طبيعة أي سلطة من خلال الطريقة التي تنفق بها المال العام

ليس المطلوب أن تكون الدولة فقيرة في كل شيء ولا أن يعيش المسؤول في ظروف بائسة

المسألة ليست في سيارة المسؤول بحد ذاتها

المسألة هي الأولوية

عندما توجد مدارس تفتقر إلى المقاعد والنوافذ والتجهيزات الأساسية بينما نشاهد مواكب ضخمة للمسؤولين تنفق عليها مبالغ كبيرة يصبح السؤال مشروعا

لمن تعمل الدولة؟

وعندما تعجز المنظومة الطبية والإسعافية عن توفير الحد الأدنى من الخدمة بينما تتكاثر سيارات الأمن والحراسة والمرافقة فإن المشكلة ليست في عدد السيارات

المشكلة في ترتيب الأولويات

الدولة التي لا تستطيع تأمين مدرسة لائقة لطفل أو سيارة إسعاف لمريض ثم تستطيع أن تنفق بسخاء على مواكب المسؤولين وحراساتهم تقدم لنا صورة واضحة عن الطريقة التي ترى بها السلطة نفسها والمجتمع

المسؤول يصبح أولوية

والمواطن يصبح بندا مؤجلا

وهذه ليست مجرد مسألة مالية

إنها مسألة سياسية وأخلاقية

بلد يعاني العجز… وسلطة تعيش الترف

في بلد يعاني من الفقر والعجز والانهيار الاقتصادي يصبح ترف السلطة أكثر من مجرد مشهد مستفز

إنه سؤال عن العدالة

كيف يمكن لمسؤول أن يتصرف وكأن الدولة قادرة على الإنفاق بلا حدود بينما المواطن يحسب ثمن الخبز والدواء والمواصلات؟

كيف يمكن أن تكون الخدمات الأساسية في آخر سلم الأولويات بينما تكون مظاهر السلطة في مقدمته؟

مرة أخرى ليست المشكلة في شخص المسؤول

بل في ثقافة السلطة ثقافة تقول بصورة مباشرة أو غير مباشرة إن السلطة لها حق في موارد الدولة قبل المواطن

وهذه الثقافة هي تحديدا ما يجعل الحديث عن «سقوط النظام» بحاجة إلى أكثر من سقوط رأس السلطة

الأمن: لحماية الدولة أم لحماية السلطة؟

الأجهزة الأمنية والشرطة والجيش مؤسسات ضرورية لأي دولة.

السؤال ليس: هل نحتاج إلى الأمن؟

بل

الأمن لحماية من؟

هل وظيفة الأمن حماية المواطن والقانون والمؤسسات؟

أم حماية المسؤول؟

هل ينفق المال العام على أمن المجتمع أم على حماية أصحاب المناصب؟

هل يخضع رجل الأمن للقانون كما يخضع المواطن؟

هل يستطيع المواطن أن يحاسب رجل الأمن إذا تجاوز؟

هل توجد جهة مستقلة تحقق في الانتهاكات؟

هذه الأسئلة هي التي تكشف الفرق بين دولة القانون ودولة السلطة

لأن النظام الذي ثار عليه السوريون لم يكن مجرد مجموعة من الأشخاص السيئين

كان أيضا علاقة مختلة بين المواطن والقوة

وإذا بقيت هذه العلاقة مختلة فإن تغيير الأشخاص وحده لا يكفي

من النظام القديم إلى نظام جديد بالآليات نفسها؟

هنا يصبح السؤال أكثر حساسية

ماذا لو لم نكن أمام استمرار الأشخاص بل أمام استمرار الآليات؟

ماذا لو تغيرت الوجوه لكن بقيت عقلية – السلطة لا تُسأل- القانون قابل للتجاوز- الأمن فوق المواطن- الدولة أقرب إلى السلطة منها إلى المجتمع- النفوذ الاقتصادي مرتبط بالسياسي- المال العام يدار بلا شفافية كافية- الأولويات تحددها السلطة لا احتياجات الناس- المسؤول محاط بالامتيازات والحماية- المواطن يطلب حقوقه وكأنه يطلب منحة

إذا استمرت هذه الممارسات فإن السؤال عن سقوط النظام يصبح أكثر تعقيدا

لأن النظام في هذه الحالة لم يعد مجرد أسماء يمكن إسقاطها

لقد أصبح طريقة تفكير وممارسة للسلطة

الثورة لا تسقط فقط من يحكم

ربما يكون هذا هو الجزء الأصعب في فهم الثورات

الثورة لا تنجح بمجرد أن يرحل الحاكم

لأن الهدف الحقيقي عندما يرفع الناس شعار «إسقاط النظام» هو تغيير العلاقة التي أنتجت الاستبداد

إذا استبدلنا المستبد بمستبد آخر فما الذي تغير؟

وإذا استبدلنا شبكة مصالح بشبكة مصالح أخرى فما الذي تغير؟

وإذا انتقلت أجهزة القوة من يد إلى يد دون أن تخضع للقانون فما الذي تغير؟

وإذا ظل المواطن يخاف من السلطة الجديدة بالطريقة نفسها التي كان يخاف بها من السلطة القديمة فهل تغير النظام فعلا؟

هذه ليست أسئلة عدائية تجاه أي سلطة جديدة

بل هي الأسئلة الطبيعية التي ينبغي أن تطرح على أي سلطة جاءت بعد ثورة أو انهيار نظام

بل إن السلطة الجديدة ينبغي أن تكون أول من يرحب بها

لأن من يعتقد أنه جاء ليبني دولة مختلفة لا يخشى المقارنة

إسقاط النظام يعني إسقاط منطقه

ربما يكون أهم ما في شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» أنه لم يكن مجرد مطالبة بتغيير الحكومة

كان رفضا لمنطق كامل في الحكم

منطق يرى أن السلطة فوق المجتمع

وأن القانون يمكن أن يتغير وفق مصلحة الحاكم

وأن الدولة يمكن أن تصبح امتدادًا للسلطة

وأن الاقتصاد يمكن أن يتحول إلى شبكة امتيازات

وأن الأمن يمكن أن يصبح أداة للسيطرة بدل أن يكون مؤسسة لحماية الناس

وأن المسؤول يستحق ما لا يستحقه المواطن

إذا بقي هذا المنطق فحتى لو اختفت أسماء كثيرة من المشهد يبقى السؤال

هل سقط النظام أم أعاد إنتاج نفسه؟

 ديسمبر كان سقوطا مهما… لكنه ليس نهاية السؤال

ليس المطلوب إنكار أهمية 8 ديسمبر

سقوط حكم بشار الأسد كان حدثا تاريخيا هائلا

لكن أهمية الحدث لا تعني أنه يجب أن نعتبره نهاية كل شيء

ربما كان 8 ديسمبر نهاية نظام حكم بصورته القديمة

لكن الحكم على ما إذا كان «النظام» بمعناه الأوسع قد سقط يحتاج إلى النظر فيما حدث بعد ذلك

هل تغيرت علاقة السلطة بالقانون؟

هل انتهت ممارسة التعذيب؟

هل أصبح القتل خارج القانون مستحيلا؟

هل أصبحت السلطة قابلة للمساءلة؟

هل انتهى تغول الأجهزة؟

هل أصبحت الدولة مؤسسة عامة وليست ملكا لمجموعة؟

هل أصبحت الثروة والنفوذ منفصلين عن السلطة؟

هل أصبحت أولويات الإنفاق العام هي المدرسة والمستشفى والخبز والماء والطرق قبل مواكب المسؤولين وحراساتهم وامتيازاتهم؟

هل أصبح المواطن هو الأولوية؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها

لأن سقوط النظام ليس سقوط رجل

في النهاية ربما نحتاج إلى إعادة تعريف العبارة التي استخدمناها طوال سنوات

الشعب يريد إسقاط النظام لا تعني بالضرورة نريد شخصا آخر في القصر

بل تعني

نريد سلطة محدودة بالقانون

نريد دولة لا تخاف من مواطنيها ولا يخاف مواطنوها منها

نريد قضاء يستطيع أن يحاسب السلطة

نريد أمنا يحمي الناس لا سلطة تخيفهم

نريد اقتصادا لا يقوم على الامتيازات والعلاقات

نريد مالا عاما ينفق على حاجات المجتمع قبل مظاهر السلطة

نريد مدرسة لا تسقط نوافذها ومستشفى يستطيع إنقاذ مريض وسيارة إسعاف تصل إلى من يحتاجها قبل ان تصل سيارة الاعتقال وقبل أن نسأل عن عدد سيارات موكب المسؤول

نريد دولة لا يشعر فيها المواطن أن مجموعة محددة تملكها

ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد 8 ديسمبر ليس

هل سقط بشار الأسد؟ لقد سقط وليس حتى

هل انتهى النظام القديم؟

فهذا يحتاج إلى تفصيل وتحديد لما نعنيه بالنظام

السؤال الأهم هو

هل تغيرت الطريقة التي تمارس بها السلطة؟

فإذا تغيرت الوجوه وبقيت الممارسات وإذا تغيرت الشعارات وبقي منطق الحكم وإذا تغيرت أسماء الأجهزة وبقيت علاقتها بالمواطن وإذا تغيرت شبكة المصالح وبقيت الدولة تدار كملكية خاصة

فربما يكون الذي سقط في 8 ديسمبر هو رأس النظام

أما النظام بوصفه فكرة وطريقة حكم وعلاقة بين السلطة والمجتمع فقد يكون ما زال بحاجة إلى أن يسقط

مقالات للكاتب/ة