حين يصبح البحر أقلَّ رعبًا من اليابسة

للبحر سحرٌ خاص ننجذب إلى زرقة مياهه، وإلى اتساع أفقه، وإلى ذلك الغموض الذي يسكن أعماقه. لكن لا أحد يحب أن يركب البحر وهو يحمل روحه، وأرواح أحبّته، بين أمواجه، باحثًا عن فرصةٍ للحياة
الذين يقفون على الشاطئ حاملين أطفالهم، أو يربطون سترات النجاة المهترئة حول أجسادهم، لا يبحثون عن مغامرة، ولا عن صورة تذكارية، ولا عن بطولة. إنهم يفعلون ذلك عندما تصل الحياة إلى تلك اللحظة القاسية التي يصبح فيها الموت احتمالًا… والعيش موتًا مؤكدًا
منذ سنوات شاهدنا السوريين يبتلعهم البحر. رأينا القوارب المطاطية تتحول إلى قبور عائمة، ورأينا أسماءً لا نعرفها تختفي تحت الأمواج
واليوم يتكرر المشهد على سواحل سبتة، وغدًا ربما في مكان آخر. تتغير الجنسيات، وتتبدل الخرائط، لكن الحكاية واحدة: إنسان عربي يقف أمام البحر ويسأل نفسه سؤالًا مستحيلًا: أيُّ الطريقين أقلُّ قسوة ؟
أن أبقى… أم أن أغامر بكل شيء؟

نحب أن نصف هؤلاء بأنهم ( مهاجرون غير شرعيين ) وكأن الكلمة تكفي لإغلاق الملف !!
لكن قلّما نسأل السؤال الحقيقي
أي مجتمع يدفع أبناءه إلى أن يختاروا البحر؟

أي دولة تجعل أمًّا تقنع نفسها بأن احتمال الغرق أرحم من يقين البقاء؟

وأي مستقبل يتحول إلى هذا القدر من العتمة حتى يبدو الأفق البعيد، مهما كان مجهولًا، أكثر إشراقًا من الحاضر ؟؟

الهجرة ليست دائمًا بحثًا عن الرفاهية. في كثير من الأحيان هي محاولة أخيرة للدفاع عن الكرامة.

حين يفقد الإنسان عمله، وأمنه، وعدالته، وحقه في الحلم، لا يبقى الوطن مكانًا للسكن، بل يتحول إلى امتحان يومي للبقاء. وعندما تعجز اليابسة عن احتضان أبنائها، يصبح البحر، بكل وحشيته، اقتراحًا معقولًا.
لكن المفارقة المؤلمة أن البحر لا يَعِد أحدًا بالخلاص.
فهو لا يعرف أسماء الذين يغرقون، ولا يميز بين طفل وشيخ، ولا يسأل عن أسباب الرحيل يبتلع الجميع بالصمت ذاته.

ولذلك، ليست المأساة في أن البحر يقتل، بل في أن أوطانًا كثيرة نجحت في إقناع أبنائها بأن البحر قد يكون أرحم منها

لا يمكن أن نستمر في التعامل مع هذه المشاهد كأنها أرقام في نشرات الأخبار. فكل قارب يغادر الشاطئ يحمل في داخله قصة هزيمة جماعية
هزيمة السياسة هزيمة العدالة هزيمة اقتصادية
وهزيمة الضمير الإنساني
قد ينجو بعضهم ويصل إلى الضفة الأخرى، لكن الحقيقة أن أحدًا لا يهاجر كاملًا. يترك خلفه بيتًا، وأمًّا، وصوته القديم وذكريات ، وقبرًا لم يتمكن من زيارته، ويبدأ حياة جديدة وهو يحمل وطنه كجرحٍ لا كعنوان.
ربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال الناس
لماذا يركبون البحر؟

مقالات للكاتب/ة