لم تبدأ مأساة الطفلة نور يوم فارقت الحياة، بل بدأت قبل ذلك بكثير يوم تُركت طفلة تواجه الخوف والعنف وحدها، من دون أن تجد دولة تحميها أو قانونًا يسبق الجريمة.
فالطفل لا يُقتل في لحظة واحدة، بل قد يُقتل على مراحل
حين يُحرم من الأمان، ويُعزل عن من يحبهم، ويُترك وحيدًا في مواجهة العنف، وحين تتحول الشكاوى إلى أوراق في الأدراج، ويصبح القانون حاضرًا في النصوص وغائبًا عن حياة الضحايا.
تكشف قضية نور عن سلسلة من الجرائم البشعة تعذيب، وتحرش، واغتصاب، وقتل. لكنها، قبل كل شيء، تطرح سؤالًا أكبر يتعلق بقدرة الدولة على حماية أطفالها، وبالدور الذي يفترض أن تؤديه المؤسسات القضائية والاجتماعية عندما تكون حياة طفل في خطر.
فإذا كانت التحقيقات قد كشفت المسؤولية الجنائية للمتورطين في هذه الجريمة، فإن هناك مسؤولية أخرى لا تقل أهمية، وهي مسؤولية المنظومة التي كان يفترض أن تتدخل قبل الوصول إلى هذه النهاية المأساوية.
إن أكثر ما يوجع في هذه القضية أن نور لم تكن طفلة مجهولة بالنسبة للدولة. كانت جزءًا من نزاع قضائي، وكانت هناك مؤشرات وشكاوى تتعلق بسلامتها، ومع ذلك لم تصل إليها الحماية في الوقت المناسب. وهذا ما يجعل السؤال يتجاوز الجريمة نفسها، ليطال فعالية منظومة العدالة وقدرتها على التدخل الوقائي قبل أن تتحول الشكاوى إلى جنازة
لا يمكن اختزال القضية في شخص واحد أو في فعل إجرامي واحد، فالقتل لم يكن البداية، بل النهاية المتوقعة لسلسلة طويلة من الإهمال والتقصير.
وهنا يبرز أحد أخطر المفاهيم المتجذرة في مجتمعاتنا، وهو الاعتقاد بأن للأب سلطة مطلقة على أطفاله، وأن ما يجري داخل الأسرة شأن خاص لا يحق لأحد التدخل فيه.
لكن الأبوة ليست امتيازًا يمنح صاحبه حق السيطرة، وليست حصانة تبيح العنف أو الإيذاء، بل هي مسؤولية قانونية وأخلاقية. وكلما وُجدت مؤشرات على تعرض طفل للخطر، يصبح واجب الدولة أن تتدخل لحمايته، أيًا كان مصدر هذا الخطر.
إن وظيفة القضاء لا تبدأ بعد وقوع الجريمة فقط، بل تبدأ قبلها. فالقضاء ليس جهة لمعاقبة الجناة فحسب، بل هو أيضًا أحد أهم أدوات الوقاية ومنع الانتهاكات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال.
وفي قضايا الحضانة، لا ينبغي أن يكون السؤالً
من يملك الولاية القانونية؟
بل
أين تكمن مصلحة الطفل؟ وهل البيئة التي يعيش فيها آمنة بالفعل؟
فمصلحة الطفل ليست مبدأً أخلاقيًا فحسب، بل قاعدة قانونية يجب أن تتقدم على أي اعتبارات أخرى.
كما تكشف هذه القضية عن مشكلة أعمق، تتمثل في التعامل مع العنف الأسري باعتباره وسيلة للتربية، أو باعتباره شأنًا عائليًا لا يستدعي تدخل المؤسسات. وكم مرة سمعنا عبارة: “هذا شأن عائلي” أو “الأب أدرى بتربية أبنائه”؟ مثل هذه العبارات لا تبرر العنف فحسب، بل تمنحه غطاءً اجتماعيًا يحرم الطفل من آخر فرصة للنجاة.
إن قضية نور يجب ألا تنتهي بإدانة الجناة فقط، بل ينبغي أن تكون نقطة مراجعة حقيقية لكل منظومة حماية الطفل في سوريا؛ مراجعة للإجراءات القضائية، وآليات التدخل، ومحاسبة كل تقصير مؤسسي حال دون حماية طفلة كان يمكن إنقاذها.
رحلت نور…
لكن السؤال الذي سيبقى يطاردنا جميعًا ليس
من قتلها؟
بل لماذا لم يستطع أحد إنقاذها قبل أن تُقتل؟
فهل تُقاس العدالة بعدد الأحكام الصادرة؟ وهل تتحقق بمجرد أن نعرف اسم الجاني بعد فوات الأوان؟
إن العدالة الحقيقية لا تُقاس بعدد من يُحاكمون بعد وقوع الجريمة، بل بعدد الأطفال الذين عادوا إلى بيوتهم سالمين، محاطين بالدفء والرعاية والتعليم والحب.
فالطفل ليس عبئًا على الدولة، بل هو مستقبلها. وليس ملفًا في أروقة المحاكم، بل إنسان كامل الحقوق، يحمل في عينيه صورة الغد الذي نبنيه جميعًا.
العدالة الحقيقية هي أن يسبق القانون الجريمة، لا أن يكتفي بتوثيقها، وأن يحمي الضحية قبل أن يكتب تقرير وفاتها، وأن تمتد يد الدولة إلى الطفل وهو يستغيث، لا بعد أن يصبح اسمه قضية تتصدر الأخبار.
عندما يصبح كل طفل قادرًا على أن ينام آمنًا، وأن يكبر في بيت يحفظ كرامته، ومدرسة تحتضن أحلامه، وقانون يحمي جسده وروحه… عندها فقط نستطيع أن نقول إن العدالة قد تحققت.
فكم طفلًا آخر يجب أن نفقد قبل أن تصبح حماية الأطفال أولوية حقيقية، لا مجرد نصوص قانونية تُقرأ بعد






