في ذكرى رحيل شاعر دمشق وياسمينها

متل اليوم في 30 نيسان 1998

توفي في لندن الشاعر السوري نزار قباني عن عمر ناهز 75 عاماً، وشَيّعته دمشق بعد أيام بموكب جنائزي حافل حضره حشد من السوريين. وُلد نزار في حيّ مئذنة الشحم في دمشق سنة 1923، وينتمي إلى أسرة دمشقية عريقة، حيث نبغ فيها جدّه أبو خليل القباني، رائد المسرح العربي. نشأ في بيت دمشقي فسيح، فوالده توفيق كان من أعيان البلد وصناعييه، ومن الداعمين للكتلة الوطنية.
درس نزار في مدرسة الكلية العلمية الوطنية، ثم التحق بكلية الحقوق في الجامعة السورية. وعند تخرجه سنة 1944 التحق بوزارة الخارجية السورية، وعُيّن في السفارة السورية في القاهرة، ثم تنقّل في الوظائف الدبلوماسية بين لندن وبكين وأنقرة، وكانت محطته الأخيرة في مدريد. وفي سنة 1966 ترك العمل في وزارة الخارجية، وتفرغ كلياً للشعر، وأسس دار نشر في بيروت باسم «منشورات نزار قباني».
تزوج نزار من قريبة له هي «زهراء أقبيق»، أم ابنه توفيق وابنته هدباء، ثم انفصلا. وتزوج للمرة الثانية من العراقية بلقيس الراوي، وعاشا في بيروت، حيث رُزقا بطفلين هما زينب وعمر. عاشا حياة يسودها الحب حتى أتى اليوم المشؤوم عام 1981، حين قُتلت بلقيس إثر انفجار سيارة مفخخة استهدف السفارة العراقية في بيروت.

خلق نزار قباني لغة شعرية جديدة ومفردات لم يألفها المجتمع الدمشقي المحافظ، فجاء شعره أشبه بثورة أدبية كسرت القيود وتجاوزت الخطوط الحمراء التي رسمها المجتمع. وقد أثارت قصيدته الشهيرة «خبز وحشيش وقمر» عاصفة من الجدل، إذ اعتبرها التيار المحافظ خروجاً على المألوف، وطالب البعض بطرده من السلك الدبلوماسي بسبب جرأتها. ولم يبقِ الجدل في إطار الثقافة والأدب، بل انتقل إلى البرلمان السوري، حيث تحولت القصيدة إلى محور سجال حاد بين النواب.
أما قصيدة «خبز وحشيش وقمر» فقد صدرت في آذار/مارس 1954، لكنها أُثيرت في البرلمان في حزيران/يونيو 1955. ففي الجلسة التي عُقدت يوم الثلاثاء 14 حزيران، طرح الشيخ الدكتور مصطفى الزرقا، النائب عن حلب، قضية القصيدة تحت قبة البرلمان السوري، مهاجماً مضمونها ومعتبراً أنها تُسيء إلى صورة المجتمع العربي.
وبعد انتهاء كلمة الشيخ الزرقا وإلقائه مقاطع من القصيدة، قال فاخر الكيالي، وزير الاقتصاد الوطني ووزير الخارجية بالوكالة: «إنني أحتج على هذه الكلمات، وهذا الكلام مردود عليك. هذه وزارة وليست دعارة».
وردّ ناظم القدسي، رئيس مجلس النواب آنذاك، داعياً إلى الابتعاد عن الألفاظ الجارحة، بينما اعترض النائب هايل سرور، وأيّد النائب أحمد إسماعيل موقف الشيخ الزرقا. كما أعلن أكرم الحوراني تأييده لاستنكار القصيدة.
ويتذكر نزار قباني هذه الحادثة قائلاً إن بعض النواب زاروا خالد العظم في وزارة الخارجية مطالبين بإحالته إلى اللجنة التأديبية، لكن العظم، بعد قراءة ملفه الوظيفي، قال: «في وزارة الخارجية السورية نزاران: نزار قباني الموظف ونزار قباني الشاعر. أما الموظف فملفه جيد، وأما الشاعر فقد خلقه الله شاعراً، وأنا لا سلطة لي على شعره».

وقال بعدها نزار: «خبز وحشيش وقمر كانت أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني وبين الخرافة وبين التاريخيين».

لنزار قصيدة أخرى رثى فيها زوجته بلقيس التي سقطت بتفجير السفارة العراقية في بيروت و تبنى التفجير وقتها تنظيم الدعوة المدعوم من إيران كانت قصيدة بلقيس قصيدة سياسية حملت على الواقع العربي بقسوة.

صدر لنزار قباني 41 مجموعة شعرية ونثرية في حياته، بدأها بمجموعة «قالت لي السمراء»، وأنهاها بـ «أنا رجل واحد… وأنتِ قبيلة من النساء» الصادرة سنة 1993.
غنّى قصائده عدد من كبار الفنانين، منهم أم كلثوم، فيروز، عبد الحليم حافظ، نجاة الصغيرة، فايزة أحمد، ماجدة الرومي، وكاظم الساهر وغيرهم.
رحم الله نزار قباني.

مقالات للكاتب/ة