من داهمر إلى الواقع

مقالة

عام 2022 عُرض مسلسل “Jeffrey Dahmer”، الذي يروي قصة Jeffrey Dahmer، وهو أحد أشهر السفاحين في أواخر الثمانينيات والتسعينيات. ارتكب جرائم قتل متسلسلة، وكان أحيانًا يحتفظ بجثث ضحاياه أو بأجزاء منها.

يُظهر المسلسل كيف تحوّل داهمر مع الوقت إلى شخص غارق في هوس القتل، مبتعد عن المجتمع والحياة الطبيعية، ومنعزل داخل عالمه الإجرامي الخاص. ومع تصاعد انحداره النفسي، وصل إلى أفعال شديدة البشاعة وغير إنسانية.

عند عرض المسلسل، أحدث ضجة كبيرة بسبب فظاعة القصة وطريقة تصويرها، وخلق حالة من الذهول والتساؤل: كيف يمكن لشخص بهذا الشكل أن يعيش بين الناس دون أن يُكشف أمره لفترة طويلة؟

لكن السؤال الذي بدأ يطرح لاحقًا:
لو أُعيد عرض المسلسل اليوم، هل سيُحدث نفس الصدمة؟ أم أن تكرار سماع أخبار الجرائم جعل الإحساس بها أقل حدة من السابق، وربما أصبح يُنظر إليه كمجرد مثال من بين كثير من المجرمين الموجودين في الواقع؟

وهنا، عند النظر إلى الواقع السوري خلال السنوات الماضية، يصبح هذا السؤال أكثر تعقيدًا. فمع ما تم تداوله من أحداث وتسريبات وصور وشهادات، أصبح مفهوم العنف ليس مجرد قصة تُشاهد في مسلسل، بل واقعًا تمّت ملامسته أو سماع تفاصيله بشكل مباشر أو غير مباشر.
يوماً بعد يوم، أصبح شعور الصدمة عند سماع خبر جريمة قتل أو مجزرة أقل مما كان عليه في السابق، لأن الناس بدأوا يتعوّدون على هذا النوع من الأخبار ويتعايشون معه. واليوم، عند مشاهدة صور أو مقاطع مسرّبة، قد تُقابل بالألم والحزن، لكنها لا تُحدث نفس مستوى الخوف أو الذهول كما في السابق، لأن هذه المشاهد أصبحت مألوفة إلى حدّ ما. حتى أن الكثيرين باتوا يفكرون: ما الذي يمكن أن يكون أبشع من هذا أصلًا؟ ولو أن شعبًا آخر لم يمرّ بهذه التجربة، وشاهد هذه الصور أو المقاطع نفسها، لربما عاش حالة من الصدمة والاضطراب الشديد.

هذا الواقع جعل بعض الناس ينظرون إلى الجرائم بشكل مختلف، وكأن الصدمة لم تعد مرتبطة بحالة واحدة معزولة، بل أصبحت مرتبطة بصورة أوسع وأكثر تعقيدًا للواقع.

هنا يبرز سؤال أعمق:
هل دوافع “الجيفريز” (جمع جيفري) الموجودين في واقعنا اليوم تشبه دوافع داهمر نفسه؟
هل تعود إلى طفولة مضطربة، أو إهمال أسري، أو مشاكل نفسية منذ الصغر؟
أم يمكن أن تكون دوافع داهمر، عند المقارنة، أقل تعقيدًا مما نراه في بعض الحالات الأخرى؟

والسؤال الأهم:
هل يمكن أن نصل إلى مرحلة نكتشف فيها أن أشخاصًا مثل داهمر، أو حتى John Wayne Gacy، يبدون أقل تعقيدًا مقارنة بأنماط أخرى من العنف الإجرامي التي قد تظهر في سياقات مختلفة؟

في النهاية، لا يهدف هذا الطرح إلى المقارنة بين الجرائم أو تبريرها، بل إلى إعادة التفكير في كيفية فهم العنف نفسه.
فقصة داهمر، رغم أنها بدت استثنائية وصادمة، إلا أنها تكشف أن مفهوم العنف أوسع بكثير مما نراه في قصة واحدة، وأنه لا يُفهم من زاوية واحدة فقط.

ومع الوقت، قد يتضح أن الصدمة ليست في الجريمة وحدها،
بل في أننا نكتشف متأخرين حجم الواقع الذي لم نكن نراه كاملًا…
وأن ما كنا نظنه استثناءً، قد يكون جزءًا من صورة أكبر وأكثر تعقيدًا مما كنا نتصور.

مقالات للكاتب/ة