في وقت يشهد فيه العالم تراجعًا غير مسبوق في حرية الصحافة، تتجه الأنظار إلى سوريا بوصفها حالة معقدة تجمع بين مؤشرات تحسّن نسبي وممارسات مقلقة على الأرض.
فبحسب تقارير حديثة صادرة عن الأمم المتحدة قبيل اليوم العالمي لحرية الصحافة، تشهد بيئة العمل الإعلامي عالميًا تدهورًا ملحوظًا، حيث يتصاعد العنف ضد الصحفيين، لا سيما النساء، مع تسجيل ارتفاع “ملحوظ ومعقّد” في وتيرة العنف الإلكتروني الذي يستهدف الصحفيات والناشطات في المجال العام. وتشير هذه التقارير إلى أن الفضاء الرقمي بات امتدادًا لساحات القمع، عبر حملات تشهير منظمة وخطاب كراهية ممنهج يهدد السلامة المهنية والشخصية للعاملين في الإعلام.
وفي السياق ذاته، تؤكد منظمة مراسلون بلا حدود أن حرية الصحافة حول العالم بلغت أدنى مستوياتها منذ أكثر من 25 عامًا، مع تزايد النزعة إلى تجريم العمل الصحفي، وتراجع الإطار القانوني الضامن لحرية التعبير في عدد كبير من الدول. ويصنف أكثر من نصف دول العالم اليوم ضمن فئة “الوضع شديد الخطورة”، في مؤشر يعكس أزمة بنيوية تطال الإعلام العالمي.
سوريا بعد الأسد: تحسن في المؤشرات… وقلق في الممارسة
ضمن هذا المشهد العالمي القاتم، برزت سوريا كحالة لافتة في تقرير “مراسلون بلا حدود”، إذ سجلت تقدمًا بـ36 مرتبة على مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، منتقلة من المرتبة 177 إلى 141 عالميًا، في تحسن وُصف بأنه “تاريخي” بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
لكن هذا التقدم، رغم أهميته، لا يعكس بالضرورة تحسنًا متماسكًا في الواقع الميداني. فما تزال سوريا ضمن فئة الدول “شديدة الخطورة”، مع استمرار هشاشة البيئة القانونية والأمنية، وبقاء الصحفيين عرضة لانتهاكات متعددة، من بينها الاعتقال التعسفي، ومنع التغطية، والتضييق الإداري.
وفي هذا السياق، تبرز قضية الصحفية الألمانية إيفا ماريا ميشلمان، التي اختفت في يناير/كانون الثاني 2026 في مدينة الرقة، إلى جانب الصحفي أحمد بولات. ورغم نفي السلطات السورية علمها بالقضية، تؤكد عائلتها والحكومة الألمانية احتجازها، مع معلومات تشير إلى أنها شوهدت داخل سجن في حلب، ما يثير تساؤلات جدية حول الشفافية وظروف الاحتجاز.
كما أثار توقيف الإعلامي عدنان فيصل الإمام في حلب انتقادات واسعة، إلى جانب استمرار احتجاز الصحفي مراد محلي دون تهم واضحة، في وقت تتوالى فيه تقارير عن اعتقالات طالت عددًا من الصحفيين في مناطق مختلفة.
ودعت لجنة حماية الصحفيين السلطات السورية إلى الكشف الفوري عن مصير الصحفيين المختفين، وضمان حقوقهم القانونية، وسط مخاوف من تكرار أنماط الإخفاء القسري.
تنظيم أم تقييد؟ قرارات رسمية تزيد الجدل
وفي تطور موازٍ، أثار قرار صادر عن وزارة الإعلام بمنع ثلاث منصات إعلامية من العمل داخل سوريا جدلاً واسعًا، بين من اعتبره خطوة تنظيمية ضرورية، ومن رأى فيه مؤشرًا على عودة أدوات التضييق الإداري. ويأتي ذلك في ظل اتهامات متزايدة للسلطات بمحاولة فرض رقابة غير مباشرة على الإعلام، عبر ما يصفه صحفيون بـ”التشبيح الناعم”، من خلال الاستدعاءات الأمنية والتدخل في إدارة المحتوى.
الصحفيات في مرمى العنف المركّب
ولا يقتصر التحدي على الانتهاكات التقليدية، بل يمتد إلى أشكال أكثر تعقيدًا من العنف، خاصة ضد النساء. إذ تشير تقارير أممية إلى أن الصحفيات يواجهن مستويات متزايدة من العنف الرقمي، الذي يتقاطع مع عوامل اجتماعية وسياسية، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى إقصائهن من المجال العام.
وفي سوريا، تتضاعف هذه التحديات لدى بعض الفئات، مثل الصحفيات المنتميات إلى أقليات دينية أو إثنية، حيث يواجهن ضغوطًا أمنية ومجتمعية إضافية، تدفع كثيرات منهن إلى الانسحاب أو العمل في ظروف شديدة الخطورة.
بين المؤشر والواقع
ورغم التحسن المسجل في التصنيف الدولي، يرى مراقبون أن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذا التقدم إلى سياسات ملموسة تحمي الصحفيين، وتعزز استقلالية الإعلام. فالمؤشرات، مهما كانت إيجابية، تبقى محدودة التأثير إذا لم تُواكب بإصلاحات قانونية وضمانات فعلية على الأرض.
وفي ظل هذه المعادلة، تبقى حرية الصحافة في سوريا أمام اختبار حقيقي: إما البناء على التقدم المحقق، أو الانزلاق مجددًا نحو أنماط السيطرة التي لطالما قيدت العمل الإعلامي. فهل ستتمكن الحكومة الانتقالية من كسر إرث الأجهزة الأمنية في التعامل مع الإعلام، أم أنها تعيد إنتاجه بأدوات مختلفة؟ وهل تستطيع سوريا تحويل هذا “التقدم التاريخي” إلى واقع ملموس، أم أن حرية الصحافة ستبقى مجرد مؤشر على الورق؟!






