“طهران”.. نسج خيال أم محض صدفة؟!!

ما إن مضت أيام قليلة على بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران نهاية شهر فبراير الفائت، حتى سارع إعلام النظام الإيراني إلى الإعلان عن نجاح أجهزته في اعتقال عدد كبير من العملاء الذين يعملون لصالح الأعداء. تحدث مرة عن عثوره على أجهزة ستارلينك وتقنيات تجسس متقدمة بحوزة العملاء، ومرات عدة عن تفكيكه لعدد كبير من الخلايا المعادية بتهمة التخابر مع العدو. في المقابل نشر الإعلام العبري خبراً مماثلاً عن التقاط بعض المواطنين الإسرائيليين ومن جنسيات أخرى بتهمة التجسس لصالح إيران. إضافة إلى ما أعلنته بعض دول الخليج عن نجاحها في رصد وتفكيك شبكات خلايا تعمل كأذرع إرهابية لصالح إيران داخل أراضيها.

من المعتاد أن تنشط الجاسوسية في ظل الحروب كسلاح سرّي مؤثر، عبر تنشيط العمالة من داخل العمق الاستراتيجي بما فيها المؤسسات الرسمية ذاتها، وعبر تحديد الإحداثيات والتخابر مع الخارج وغيرها من نشاطات الظل. وباعتبار أن كل من جهاز الموساد وجميع أجهزة الاستخبارات الإيرانية، يصنفان من أشرس الأجهزة الاستخباراتية العالمية القادرة على أن تحصي أنفاس الناس، قد تكون الأرقام المعلنة عن العدد الكبير للعملاء حقيقية، أو تجوز المبالغة بها كتكنيك معروف يندرج ضمن الحرب النفسية التي تلعبها أجهزة الاستخبارات لأجل زرع الخوف العام أولاً، وأيضاً لزرع الشكوك لدى الخلايا النائمة ودفعها إلى الارتباك والإتيان بتحرك خاطئ ما يقود إلى اكتشافها.

حروب التجسس التي شهدت في العقود الأخيرة تطوراً نوعياً عبر تسخير التكنولوجيا الحديثة لصالحها والمقدرة على تحقيق ضربات قاسمة عن بعد، لم تلغ أهمية العمل التجسّسي الميداني عبر إرسال جواسيس بجنسيات مختلفة إلى داخل البلدان المتحاربة ينتحلون صفات ومهن مختلفة، أو تجنيد أفراد محليين من الداخل يتم شراؤهم بالمال أو لأسباب عقائدية أو غيرها. وهو ما يتمحور حوله مسلسل (طهران) الذي نقل حرب التجسس بين إسرائيل وإيران من الواقع إلى الدراما.

ينتمي مسلسل (طهران) الذي عرض على (أبل بلس) إلى دراما الجاسوسية والإثارة، وهو إنتاج إسرائيلي من تمثيل ممثلين يهود من أصل إيراني، تم تصويره في العاصمة اليونانية أثينا لتشابهها مع شوارع طهران، وتمكن من محاكاة طبيعة الحياة السياسية والأمنية والمجتمعية داخل ايران. يبتدئ كل جزء جديد منه بما انتهى إليه الذي سبقه من حدث كبير ومفاجئ وصادم، مع زيادة فائضة لجرعتي الإثارة والتشويق، وأيضاً تدعيم العمل بنجوم عالميين جدد، وأخرهم مشاركة النجم (هيو لوري) بدور “بيترسون” في الجزء الثالث بوصفه كبير مفتشي وكالة الطاقة الدوليين الذين يزورون ايران بشكل دوري.

القصة الرئيسة الممتدة من الجزء الأول تحكي عن “تمار” عميلة الموساد التي تدخل طهران بوصفها مقرصنة، مهمتها تعطيل الكهرباء والرادار الإيراني تمهيداً لاختراق الطائرات الإسرائيلية وقصف المفاعل النووي. لتتحول مهمتها في الجزء الثاني إلى ثأر شخصي يدفعها لاغتيال الجنرال “محمدي” رئيس الحرس الثوري بسبب إعدامه لخالتها الإيرانية بتهمة الخيانة. اغتيال ستتبرئ منه قيادة الموساد في تل أبيب وتتهم العميلة “تمار” بأنها وضعت البلدين على شفير حرب، وستجند بعض عملائها داخل طهران لأجل ملاحقة “تمار” واغتيالها، في إشارة درامية هامة تطعن بموثوقية التعامل مع الموساد واستعداده للتخلص من أقرب عملائه أو الموالين له.

عند هذا المنعطف الصادم للعميلة “تمار”، يبتدئ الجزء الثالث الذي تم عرضه في 9 يناير الفائت من العام الجاري، عبر مطاردتها المستمرة ثم تمكنها من النجاة بنفسها بعد إقناع قيادتها في الموساد باكتشافها لمعلومات تتعلق بقطع تخص قنبلة نووية تنوي إيران صنعها، تم تهريبها عبر وسيط إيراني يتعامل مع وكالة الاستخبارات الأميركية. أحداث دموية وإثارة عالية تترافق بموازاة خط درامي مثير آخر يتعلق بالمفتش “بيترسون”، والذي سيعتقل من الحرس الثوري بتهمة التجسس على إيران، ويترافق اعتقاله المعلَن بدعاية إعلامية إيرانية كبيرة تنهي مهمة مفتشي الطاقة الدوليين إلى أجل غير مسمى، ليتبين لاحقاً أن قصة اعتقاله خديعة إيرانية وأن المفتش عميل مخلص لإيران يساعدها على صنع قنبلتها النووية بدافع “العدل والإنصاف” كما يقول، وكراهيته المطلقة للموساد. 

اعتاد مسلسل (طهران) منذ موسمه الأول أن ينوّه في مقدمة كل حلقة من حلقاته أن “الشخصيات والأحداث الواردة في هذا المسلسل جميعها من نسج الخيال”، وأن “أي تشابه بينها وبين أحداث واقعية أو أشخاص حقيقيين هو محض صدفة”. لكن المشاهد الذي يتابع تفاصيل الأحداث الحقيقية المتلاحقة في الصراع بين إسرائيل وايران، وحرب الـ 12 يوماُ 2024، ومن ثم الحرب الأخيرة الجارية، إضافة إلى الاغتيالات التي حققها الجانب الإسرائيلي سابقاً، وآخرها اغتيال المرشد علي خامنئي بداية هذه الحرب، قد لا يتمكن من الفصل بحيادية أو التعامل طوال الوقت مع أحداث وشخصيات المسلسل على أنها من نسج الخيال أو مجرد صدفة، وبخاصة في الجزء الثالث الأخير الذي تظهر فيه شخصية قيادية إيرانية روحية فاعلة، تشبه بدلالاتها شخصية المرشد الجديد مجتبى خامنئي والشبه بينهما في العمر والمظهر والتفكير، والتي قدمت في هذا الجزء باسم فضيلة “لاريجاني”.

في المحصلة، يمكن رؤية المسلسل بوصفه أداة مساندة من أدوات لعبة سياسية ونفسية استعملت فيها الدراما كقوة ناعمة من وجهة نظر إسرائيلية تخدم في النهاية دعايتها وتفوق الموساد، وتهيأ الرأي العام نفسياً لأحداث لاحقة قد تكون مشابهة تحت ذريعة أنها محض صدفة. مع ترجيح استعانة المسلسل بمعلومات إسرائيلية موثقة ودقيقة عن بنية النظام الإيراني وأدق التفاصيل المتعلقة به، إضافة إلى حرصه على إبراز توزان درامي في بنية العمل، أي إظهاره للجانب الإيراني بوصفه خصماً شديد التفوق عسكرياً واستخباراتياً، خارق الذكاء والحنكة والمراوغة، وأيضاً شديد الولاء، وهي مواصفات تصيب هدفها لدى الرأي العام بأنهم يحاربون عدواً غير عادي، بل قوي وشرس للغاية ويعتبر تهديداً وجودياً خطيراً لإسرائيل، وهو ما أثبتته بعض جوانب الحرب الجارية اليوم بين الجانبين.

فيما تبقى المفاجأة الأكبر التي أصابت مسلسل (طهران)، هي الإعلان في الخامس عشر من شهر فبراير الفائت، أي قبل أيام من اندلاع الحرب الجارية، عن العثور على منتجة المسلسل “دانا ايدن” ميتة في غرفتها في أحد فنادق أثينا. المنتجة التي كانت تجهز للموسم الرابع من المسلسل كما ذكر، قيدت وفاتها على أنها انتحار واستبعاد فرضية مقتلها استناداً لتحقيقات الشرطة اليونانية، رغم العثور على كدمات على جسدها وانتحارها بسلك الهاتف. حدث صادم ليس من نسج الخيال يضاف إلى سجل هذا المسلسل الإشكالي، سيبقى لغزاً قد تفكك شيفرته الأيام القادمة، أو يبقى محض صدفة.

المصدر: https://noq6a.com/articles/طهران-نسج-خيال-أم-محض-صدفة-1774414596108

مقالات للكاتب/ة