ميشيل سورا: الباحث الذي شرح نظام الأسد… فدفع الثمن

في آذار/مارس 1985، تعرّض الباحث الفرنسي ميشيل سورا (جيرار ميشو)، رفقة الصحافي ميشيل كوفمان، لعملية اختطاف لدى خروجه من مطار بيروت عائدًا من باريس، وذلك على يد ما عُرف حينها بـ«منظمة الجهاد الإسلامي»، التي ارتبط اسمها لاحقًا بـ حزب الله.

كان سورا في طريقه للقاء زوجته السورية وطفلتيه، لكن رحلته تحوّلت إلى فصل مأساوي في سيرة باحث اختار أن يقترب أكثر من تعقيدات المنطقة، وأن يغوص في بنية السلطة في سوريا ولبنان، في مرحلة كانت تتسم بتشابك الصراعات الإقليمية والدولية.

طالبت الجهة الخاطفة بالإفراج عن أنيس النقاش ورفاقه المحتجزين في فرنسا، على خلفية محاولة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني الأسبق شابور بختيار عام 1980. غير أن القضية لم تكن مجرد عملية تبادل رهائن، بل عكست طبيعة مرحلة كانت فيها المنطقة ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية والأمنية.

وُلد ميشيل سورا في تونس عام 1947 لأبوين فرنسيين، وعاد إلى فرنسا بعد أحداث 1961، حيث تابع دراسته في ليون. في عام 1971، اختار العيش في بيروت، وبدأ منذ ذلك الحين مسارًا بحثيًا مميزًا، متنقّلًا بين بيروت ودمشق وباريس، ومقتربًا من تفاصيل الواقع السياسي والاجتماعي في سوريا ولبنان.

لم يكن سورا باحثًا تقليديًا، بل اعتمد مقاربة تحليلية عميقة، مستلهمًا المنهج الخلدوني في فهم نشأة الدول وانهيارها، ومطبّقًا ذلك على الحالة السورية. وقد نشر دراساته في مجلة «Esprit» الفرنسية، أحيانًا باسم مستعار، خشية الاستهداف.

استقر سورا في بيروت عام 1980، ولم يغادر بيروت الغربية حتى خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ما يعكس درجة انخراطه في فهم الواقع من الداخل، لا من مسافة آمنة.

في الخامس من آذار/مارس 1986، أُعلن عن إعدامه من قبل الجهة الخاطفة، التي وصفته بـ«الجاسوس». ولم يُكشف عن جثمانه إلا في عام 2005، قبل أن تُسلّم رفاته إلى الحكومة الفرنسية في عام 2006، بعد أكثر من عقدين على اختفائه.

غير أن أهمية سورا لا تكمن فقط في مصيره المأساوي، بل في إرثه الفكري، وخاصة كتابه الشهير «سوريا: الدولة المتوحشة»، الذي يُعد من أهم الدراسات التي تناولت بنية الدولة السورية في عهد حافظ الأسد.

في هذا العمل، قدّم سورا قراءة مبكرة وعميقة لطبيعة النظام، معتبرًا أنه لا يقوم على مؤسسات تقليدية بقدر ما يقوم على شبكات أمنية متداخلة، حيث يصبح العنف أداة حكم، لا استثناءً. كما أشار إلى تداخل السلطة مع الولاءات الطائفية والشخصية، وتراجع المجال السياسي لصالح منظومة أمنية شاملة.

كتب سورا:
“الأسد لم يخلق نظامًا بوليسيًا فحسب، بل خلق مجتمعًا بوليسيًا، حيث يتحول كل فرد إلى رقيب على نفسه وعلى الآخرين، وتُزرع ثقافة الخوف في التفاصيل اليومية للحياة”.

وفي موضع آخر، يوضح:
“في سوريا، لا يُعامل المجتمع كشريك أو ركيزة، بل ككيان مشبوه يجب مراقبته واحتواؤه باستمرار… وأي محاولة للخروج من هذا الصمت تُقابل برد فعل لا يستهدف الصوت فحسب، بل الوجود بحد ذاته”.

لقد وضع اهتمام سورا ببنية السلطة في سوريا والمنطقة في قلب صراعات حساسة، خاصة في سياق صعود حزب الله كقوة فاعلة في لبنان، وفي ظل تصاعد التوتر مع الوجود الغربي بعد تفجيرات عام 1983.

ويكثّف سورا رؤيته في عبارة لافتة:
“السيطرة في هذه الدولة لا تقوم على إدارة الناس، بل على إحكام شروط وجودهم… بحيث يصبح الخروج عن النظام مكلفًا إلى حدّ الاستحالة”.

اليوم، يُعد كتاب «سوريا: الدولة المتوحشة» مرجعًا أساسيًا في العلوم السياسية، ليس فقط لفهم الحالة السورية، بل لفهم طبيعة الأنظمة السلطوية في المنطقة، وكيف تتشكل، وكيف تستمر.

لقد كان سورا واحدًا من القلائل الذين لم يكتفوا بوصف الواقع، بل حاولوا تفكيكه، فدفع ثمن اقترابه منه. وبينما انتهت حياته في ظروف مأساوية، بقيت كتاباته حيّة، شاهدة على مرحلة، ومفتاحًا لفهم ما تلاها.

مقالات للكاتب