لي في دمشق كلّ شيء.. وليس لي في دمشق شيء!

مقالة

فجأة؛ بات لدينا وطن يمكننا أن نعود إليه، وفجأة، صار كل شيء ممكناً! 

فجأة انتهى زمن العبودية والاستبداد، وانتهت معه سنوات الانتظار والهروب. 

فجأة، انحسرت الحواجز النفسية والجغرافية، وانفتحت أمامنا أبواب طالما حلمنا بها. 

أتذكر كلاماً لـ باولو كويلو: «أحياناً تكون الحياة بخيلة جداً. قد نقضي أياماً وأسابيع وأشهراً وسنوات دون أن نشعر بشيء. ثم فجأة، وما إن نفتح الباب، حتى ينهار جبل الجليد وتنجلي أمامنا الطريق واسعة في لحظة واحدة. نخال أننا لا نملك شيئاً، ثم لا نلبث أن نشعر أننا نمتلك ما لا طاقة لنا على امتلاكه».

هذا حالنا نحن السوريين، كل شيء تبدّل!

ثم بدأت الأسئلة التي كنا نخبئها في دواخلنا تطفو على السطح: هل نحن مستعدون للعودة؟ هل نعرف ماذا يعني أن نعود بعد كل هذه السنوات؟  

في الأيام الأولى لسقوط الطاغية كان الحديث عن العودة يتخلله شعور بالفخر والأمل، لكن بمرور الوقت راحت الأسئلة تتراكم: هل نحن في انتظار العودة؟ أم أننا في الحقيقة ننتظر قبولاً من الوطن؟

هل نستطيع الإفراج عن أحلامنا التي عاشت داخل أدراج مكاتبنا سنوات وسنوات؟

أثناء حديثي مع أمي يوم سقوط النظام، لم تستطع إخفاء الخوف. سألتها: «ممَّ تخافين؟»، لم تجب، لكن عينيها كانتا مليئتين بالدموع. صمتُها حمل ألف معنى عن فزعها من التغيير، من القسوة التي قد نواجهها.

ابني الذي كان ينتظر بفارغ الصبر لحظة العودة، سألني: «لماذا اختفى بريق عينيكِ حين تحدثتِ عن العودة»؟ صمتُّ كصمت والدتي! 

كانت عيناه مليئتين بالأمل والتفاؤل، رأيت في نظراته شيئاً مختلفاً، وكأنه الطفل الذي يقترب من حلمه. أيكون الحلم كما تخيَّله؟ أم يكتشف أن الواقع شيء آخر؟

لا أعرف… لا أحد منا يعرف.

المعجزة حدثت، والنظام سقط. والفرحة كانت وما زالت عظيمة. لكن هل هذا كل شيء؟ هل انتهت الثورة؟ أم أن الثورة بدأت الآن؟

يسألني كثرٌ عن العودة، أصدقاء أميركيون، وسوريون. كثرٌ أعرفهم يتساءلون هل ستكون العودة إلى سوريا شبيهة بتخيلاتهم؟

العودة ليست مجرد مسافة بين مكانين، بل معركة بين زمنين: زمن النظام، وزمن ما بعد سقوطه.

المعجزة حدثت، والنظام سقط. والفرحة كانت وما زالت عظيمة. لكن هل هذا كل شيء؟ هل انتهت الثورة؟ أم أن الثورة بدأت الآن؟

هل بوسعنا استعادة سوريا القديمة بكل شوارعها وذكرياتها؟ هل يمكن للروح أن تتنفس في الأماكن ذاتها التي كانت تغذيها؟ هل ستظل دمشق تلك المدينة التي كنت أعرفها؟

أتأمل هذا التحول الكبير في أفكاري. تلك الجغرافيا نفسها، التي كانت تأخذني إلى الحلم، كيف لها الآن تحمل عبئاً من الشكوك؟ كيف سيواجه الجسد ذلك المكان الذي كان مألوفاً، وأصبح الآن غريباً؟ هل تستطيع الصور القديمة أن تعيد نفسها كما كانت، أم أن كل شيء تغيَّر إلى الأبد؟

أقف أمام المرآة، أتأمل الخطوط التي تراكمت على مدار السنين. لا أستطيع إنكارها وأن الزمن قد ترك أثره، كما تركته غربتي. تباعدت مسافة الحياة بيني وبين مدينتي، أيمكن أن تلتئم هذه الجروح؟

أخاف فقدان ما كان، وأن أصبح مجرد زائرةٍ في وطنٍ لا أنتمي إليه. وهذا يعيدني إلى فلسفة الوطن ووجوديته: ليس مجرد مكان، بل إحساس داخلي، هو جزء من الروح. وكلما ابتعدت، ابتعد عني ذلك الإحساس أكثر.

العودة ليست مجرد حركة جسدية، بل محاولة لاستعادة جزء من النفس التي ضاعت، محاولة لاستعادة سوريا داخل المنفى. تلك الذكريات التي تكون أكثر وضوحاً كلما ابتعدنا، لكنها تصبح أكثر ضبابية كلما اقتربنا منها! 

ربما العودة لا تعني الرجوع إلى مكان، بل إلى زمن كنتُ أعيش فيه بحب.

أما زال هناك ما يمكن العيش من أجله في ذلك المكان؟ 

هل أترك كل شيء هنا وأعود، أم أن هذه العودة ستظل مجرد حلم؟

كيف ستكون الأشياء التي غادرناها؟ سنجد الأشياء كما هي، لا كما نتمنى.

لي في دمشق كل شيء وليس لي في دمشق شيء. 

هذا أكبر تناقضاتنا!

لعل أشد مخاوفي أن أفقد معاني تلك اللوحة التي طُرِّزَت بأيادٍ فلسطينية، وصُورت في الجولان المحتل، ثم حطت في شقتي الصغيرة في بلاد المنفى، تلك اللوحة التي تحمل أحب كلمات تراها عيناي كل صباح: «جميلةٌ أحبها واسمها شآم».

المصدر: https://www.sot-sy.com/article/1628?fbclid=IwZnRzaAPaAXxleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZAo2NjI4NTY4Mzc5AAEeX0j-DUtKIX-vPM05VJWHZchK0PIOc14XR4MkovIl9IBs_yJYc6z203lnBho_aem_fHenHi4XrVBNdumOZ03z-w

مقالات للكاتب