هوية بصرية، هذا كل ما تبقى لنا بعد المجزرة.

ماذا يعني أن تُعلَن هوية بصرية لقوة أمنية في مدينة لم تخرج بعد من صدمتها، ولم تُجب عن أسئلتها الأساسية؟ في لحظات كهذه الصورة تتحوّل إلى فعل سياسي كامل، لا يمكن اعتبارها تفصيلاً تقنياً ولا تحسيناً شكلياً. فحين تعجز السلطة عن إنتاج سياسة، تلجأ إلى الرمز؛ وحين لا تملك سردية تُقنع، تُنتج شكلاً يُطمئن. الهوية البصرية هنا لا تعود تعريفاً بالنفس بقدر ما هي محاولة لإعادة تعريف الواقع من فوقه، لتطبيع وضع مأزوم عبر لغة التصميم. إنها تقول، من دون أن تصرّح، إن ما هو قائم بات قابلاً للإدارة، وإن الفوضى صارت نظاماً، وإن غياب المعنى يمكن تعويضه بصورة متماسكة. لكن ما تكشفه هذه اللحظة، أكثر مما تخفيه، هو أن السياسة ما زالت غائبة، وأن الصورة استُدعيت لتسدّ فراغها، لا لتكملها.

لسنا، في السويداء، أمام سلطة انتقالية مركزية تفرض سرديتها من دمشق، ولا أمام جهاز دولة مكتمل يسعى إلى تأسيس شرعيته. نحن أمام سلطة أمر واقع محلية، معزولة فعلياً عن المركز، نشأت في فراغ سيادي وأمني، ووجدت نفسها فجأة أمام مجتمع مثقوب بالخوف، مثقل بالدم، ومفتوح على احتمالات انفجار لا تنتهي. هذه السلطة ليست مسؤولة عن المجزرة التي وقعت، ولا يصح أخلاقياً تحميلها دماً لم تسفكه. لكن مسؤوليتها تبدأ، وبثقل كامل، من اللحظة التي تلت المجزرة، من إدارة ما بعدها، من تحويل الصدمة إلى مسار، أو تركها تتحول إلى فلتان مقيم.

في هذا السياق بالضبط تأتي الهوية البصرية. لا لتغطي الجريمة، ولا لتغلقها رمزياً، بل لتؤدي وظيفة أكثر خفاءً وأخطر أثراً: إدارة الفراغ. حين تغيب السياسة، تُستدعى الصورة. وحين يعجز الخطاب عن تقديم معنى، يُقدَّم الشكل بوصفه بديلاً مؤقتاً. الهوية هنا لا تقول “نحن سلطة ذات مشروع”، بل تقول “نحن موجودون، نضبط، ننظم، نُمسك”. وهذا، في ذاته، اعتراف غير معلن بأن ما يُدار هو اليومي، لا المستقبل، وأن ما يُطلب من الناس هو التكيّف لا المشاركة.

من هيئة تحرير الشام إلى قسد، وصولاً إلى سلطات الأمن المحلي، لم نخرج فعلياً من منطق الحرب. ما خرجنا منه هو الوضوح. في السابق كان العنف فاضحاً، مباشراً، يُعلن عن نفسه بلا مواربة. اليوم، العنف نفسه يُدار بلغة أقل خشونة، أقل صراخاً، وأكثر قابلية للتسويق. لم تعد الميليشيا تقول عن نفسها إنها ميليشيا، بل “قوة ضبط”. كما أن السلاح لم يعد يظهر بوصفه أداة قتال، بل ضمانة استقرار. هذا ما تفعله الهوية البصرية تحديداً: لا تُنهي منطق الحرب، ولكنها تُعيد تغليفه، تجعله صالحاً للعرض، قابلاً للقبول، قابلاً لأن يُطلب من الناس التعايش معه باعتباره “مرحلة انتقالية”. لكن لا شيء في هذا الواقع انتقالي، سوى صبر الناس.

الخطأ ليس في التصميم ذاته، ولا في محاولة فرض حد أدنى من انتظام أمني في مدينة تعيش على حافة الفوضى. الخطأ هو في الاكتفاء بهذا المستوى، في القبول بأن تكون الإدارة بديلاً عن السياسة، وأن يكون الضبط بديلاً عن النقاش، وأن تتحول السلطة إلى وظيفة تقنية بلا أفق. سلطة الأمر الواقع في السويداء لم تُنتج المجزرة، لكنها حتى الآن لم تُنتج سياسة تليق بحجم الكسر الذي خلّفته. تركت الخوف ينتشر، وسمحت للغضب أن يتسيّب، وعجزت عن تحويل الدم إلى سؤال عام، لا إلى جرح خاص يُدار بالصمت.

الهوية البصرية، في هذا المعنى، لا تعتبر مشكلة بحد ذاتها، وإنما عرض لمرض أخطر: غياب الخيال السياسي. حين لا تملك السلطة تصوراً عن المستقبل، تلجأ إلى إدارة الحاضر بأدوات شكلية. وحين لا تعرف كيف تُقنع الناس، تحاول طمأنتهم بالصورة. لكن الصورة لا تبني ثقة، ولا ترمّم اجتماعاً مكسوراً، ولا تحل محل الاعتراف بالعجز. بل على العكس، قد تزيد الإحساس بالقطيعة، لأنها تقول للناس ضمنياً: هذا ما لدينا الآن، تأقلموا.

الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الإدارة يُفرغ الفعل السياسي من مضمونه، ويحوّل الرفض إلى مجرد ضجيج، والمعارضة إلى شعار، والسلطة إلى جهاز بلا روح. في هذا المناخ، لا يعود السؤال: من يحكم؟ ولكن كيف نُدار؟ ولا يعود النقاش حول المشروع، وإنما حول الكفاءة التقنية٬ وهذا هو الفخ الحقيقي. لأن السياسة لا تُختزل في الأمن، ولا تُستبدل بالتصميم، ولا تُؤجَّل إلى أجل غير مسمى باسم الضرورة.

المجزرة التي وقعت في السويداء لم تكن حدثاً عابراً في سياق الدم السوري، كانت كسراً عميقاً في ذلك الاجتماع. والسلطة التي تنشأ بعد كسر كهذا لا تُقاس بقدرتها على ضبط الشارع فقط، وإنما بقدرتها على إنتاج معنى مشترك، على فتح أفق، على تسمية الخوف بدل دفنه. سلطة الأمر الواقع أخفقت حتى الآن في هذا الامتحان. ليس لأنها شريرة، ولكن لأنها محدودة الخيال، محاصَرة بمنطق الضرورة، وعاجزة عن الانتقال من إدارة الأزمة إلى التفكير فيها.

ولذلك ليس المطلوب إسقاط هذه السلطة بشعارات إنشائية، ولا شيطنتها بوصفها امتداداً لسلطات أخرى. هذا الطريق سهل، عقيم، ومجرَّب. المطلوب أفق آخر، أبطأ، أصعب، وأكثر تواضعاً: إعادة السياسة إلى معناها اليومي، إلى العمل الميكروي، إلى بناء شبكات ثقة، إلى تحويل الرفض من صراخ إلى تنظيم، ومن موقف أخلاقي مجرد إلى قوة اجتماعية قابلة للتراكم. لا مشروع بلا مجتمع، ولا مجتمع بلا سياسة، ولا سياسة تُختزل في صورة.

الهوية البصرية ستبقى، وربما ستتغير، وربما ستُنسى. ما لن يُنسى هو السؤال الذي تتهرب منه: ماذا بعد؟ كيف نخرج من منطق إدارة الخراب إلى أفق ترميمه؟ كيف نمنع الفلتان من أن يصبح قدراً دائماً؟ كيف نحمي المدينة من نفسها، لا فقط من الآخرين؟ هذه أسئلة لا تُجاب بالتصميم، ولا تُحل بالألوان، ولا تُدار بالبيانات.

في النهاية، السويداء اليوم بلا سياسة وبلا مشروع، لا كما يعتقد البعض أنها بلا دولة وبلا هوية بصرية. وكل سلطة، أياً كان شكلها، لا تواجه هذا الفراغ بجرأة، ستظل تدور في الحلقة نفسها: إدارة يوم بيوم، ضبط بلا معنى، واستقرار هشّ ينتظر أول اختبار حقيقي لينكشف.

مقالات مشابهة