الكاتب ميلان كونديرا
الرواية تكمن في فكرة
أثارت رواية ( كائن لا تُحتمل خفته ) لميلان كونديرا ضجة كبيرة، وحققت شهرة واسعة، حتى إن كثيرًا من القراء يعتبرونها واحدة من رواياتهم المفضلةً
بدأت قراءتها وأنا أتطلع إلى أحداث شيقة، مثيرة، مختلفة، وإلى حكاية تفسر لي شيئًا من كل هذه الشهرة. لكن بعد أن أنهيتها كان اكتشافي مختلفًا
هذه رواية عظيمة ليس لأن قصتها مذهلة بحد ذاتها بل لأن الحكاية ليست سوى الباب الذي يدخل منه كونديرا إلى مكان آخر تمامًا
فلو أخذنا الحكاية وحدها
توماس، تيريزا، سابينا، فرانزً ، الحب والخيانة والجنس والغيرة، الطموح والأحلام… قد نقف لنسأل ببساطة وبعدين؟ لماذا كل هذه الشهرة؟
يأتي الجواب من الطريقة التي يتعامل بها كونديرا مع الحكاية.
فهو يستخدم شخصياته كأنها مختبر لأسئلة أكبر عن الإنسان والحب والحرية والجسد والسياسة والمصير لا تبدو الشخصيات مجرد أبطال نتابع ما سيحدث لهم، بقدر ما تصبح كل واحدة منها احتمالًا مختلفًا لطريقة يمكن أن يعيش بها الإنسان حياته
ومنذ البداية يضعنا أمام السؤال الذي سيبقى حاضرًا بين سطور الرواية إذا كانت الحياة تحدث مرة واحدة فقط، فهل تصبح خفيفة لأنها بلا تكرار؟
أم أن هذه الخفة نفسها تصبح شيئًا لا يُحتمل؟
نعيش حياتنا من دون بروفة سابقة. نختار ثم نمضي، ولا نستطيع العودة لنعيش الاحتمال الآخر كي نعرف إن كنا قد اخترنا بشكل صحيح.
ومن هنا تتوالد أسئلة الرواية
هل الحرية بلا روابط نعمة فعلًا؟
هل الحب ثقل أم أن هذا الثقل هو ما يمنح حياتنا معنى؟
وهل يمكن أصلًا أن نصف قرارًا بأنه صحيح أو خاطئ إذا كنا لن نستطيع أبدًا تجربة الطريق الذي لم نسلكه؟
هذه الأسئلة لا يطرحها كونديرا منفصلة عن الحكاية، بل يجعل شخصياته تعيشها
توماس يحاول أن يعيش الخفة. يريد الحب من دون أن يتحول إلى قيد، ويفصل بين الحب والجسد، وبين علاقته بتيريزا وعلاقاته الجنسية الأخرى. لم أحب كثيرًا فلسفته هذه ربما لأنها تبدو قابلة للنقاش حين تكون مجرد فكرة، لكنها تصبح أكثر قسوة عندما نراها من موقع تيريزا.
تيريزا حزينة وأحيانا تشعر بأنها مملة
هي تريد أن تكون بالنسبة إلى الرجل الذي تحبه شخصًا لا يشبه أحدًا، بينما يعيدها عالم توماس باستمرار إلى سؤال الجسد والمقارنة والغيرة
لذلك لا تبدو غيرتها مجرد غيرة امرأة من خيانة رجل بل صراعًا أعمق بين الجسد والروح، وبين حاجتها إلى أن تكون متفردة وإمكانية أن تصبح، في عالمه الجسدي، واحدة بين أخريات
أما سابينا فبدت لي حرة تهرب من كل ما يحاول امتلاكها أو وضعها داخل تعريف جاهز
السلطة، الوطن، العلاقات، وحتى الصور التي يصنعها الآخرون عنها. لكنها جعلتني أتوقف أمام وجه آخر للحرية
إذا أصبح التحرر هروبًا دائمًا من كل انتماء فماذا يبقى لنا ؟
وهل يمكن أن تتحول الحرية نفسها في لحظة ما إلى وحدة؟
وكان فرانز أكثر الشخصيات التي أثارت تعاطفي. يبحث دائمًا عن معنى أكبر لحياته، في الحب وفي الأفكار وفي القضايا التي يؤمن بها. لكنه أحيانًا يحب صورة الأشياء بقدر ما يحب الأشياء نفسها أحب في سابينا ما مثلته له من اختلاف وحرية، وربما أحب فكرته عنها أيضًا
في شخصيته شيء من السذاجة، لكنه شيء إنساني ومؤلم رجل يريد أن يمنح حياته معنى كبيرًا، حتى عندما يكون الواقع أقل شاعرية من الصورة التي رسمها له
وهنا تصبح الخفة و الثقل أكثر تعقيدًا مما يبدوان عليه في البداية. فالخفة ليست حرية جميلة دائمًا
والثقل ليس عبئًا ينبغي التخلص منه دائمًا. قد تمنحنا الخفة الحرية، لكنها قد تتركنا بلا جذور
وقد يرهقنا الثقل، لكنه قد يكون أيضًا حبًا وانتماءً ومعنى
ولا يبدو أن كونديرا يريد أن ينتصر لأحد الخيارين. حتى شخصياته لا تخرج بانتصار واضح. لكل منها شيء تكسبه وشيء تدفع ثمنه
سابينا تكسب حريتها وتفقد شيئًا من الانتماء
تيريزا تتمسك بالحب وتدفع الكثير من طمأنينتها توماس يبدأ باحثًا عن الخفة ثم يجد نفسه أقرب إلى اختيار الثقل
وفرانز يلاحق المعنى الكبير فيما تمر أمامه أحيانًا تفاصيل الحياة الصغيرة
ولا تتوقف الرواية عند الحب والجسد فالسياسة والتاريخ والمنفى حاضرة أيضًا، لكن ليس بوصفها خلفية منفصلة عن الحياة الخاصة. السلطة تدخل إلى العمل والحب والاختيارات الشخصية، والتاريخ الكبير يعبر حياة الأفراد ويغير مصائرهم. وهنا يصبح السياسي شخصيًا، كما يصبح الشخصي مدخلًا لفهم السياسة
لذلك تقع رواية ( كائن لا تُحتمل خفته ) في منطقة غريبة وجميلة بين الرواية والفلسفة والمقالة والتأمل النفسي والسياسي. يتوقف كونديرا عن الحكاية، يناقش فكرة، يعود إلى شخصياته، يتأمل الجسد أو الحب أو التاريخ، ثم يعيدنا مرة أخرى إلى الحدث. وهي طريقة أصبحت واحدة من أبرز سمات كتابته.
بعد انتهائي من الرواية، فهمت شيئًا من سر الضجة التي أحاطت به
لم تكن الحكاية هي الأساس بقدر ما كان ما فعله كونديرا بهذه الحكاية، والأسئلة التي أخفاها داخل تفاصيل تبدو، للوهلة الأولى، عادية جدًا
في النهاية
لم تكن الحكاية هي الضجة بل ما خبأه كونديرا خلفها من أسئلة.
رواية تبدو خفيفة في حكايتها، ثقيلة في اسئلتها
ماأفكر فيه بعد هذه الرواية وفلسفة ميلان كونديرا :
نريد أن نكون أحرارًا ونريد في الوقت نفسه شيئًا يستحق أن يربطنا بالحياة






