في لحظات التحوّل السياسي، لا يُختبر أي نظام جديد عبر خطاباته فقط، بل عبر سلوكه في الشارع. هناك، في المساحة العامة حيث يلتقي المواطنون والمواطنات بالدولة وجهاً لوجه، تتكشّف حقيقة العقد الاجتماعي: هل هو قائم على الحقوق، أم على موازين القوة؟
ما جرى في ساحة يوسف العظمة في دمشق ليس حادثة معزولة، ولا مجرد احتكاك عابر بين مجموعتين. إنه استعادة دقيقة، تكاد تكون حرفية، لنمطٍ سوريّ مألوف في إدارة المجال العام—نمط لا يقمع التظاهر مباشرة، بل يلتف عليه، ويُفرغه من مضمونه، ثم يعاقب المشاركين والمشاركات فيه لاحقاً.
هذا النمط ليس جديداً. يمكن تتبّع جذوره إلى الرقة في خريف 2013، حين بدأت احتجاجات سلمية تطالب بكشف مصير المعتقلين والمعتقلات لدى القوى المسيطرة آنذاك. لم تُمنع تلك الاحتجاجات بقرار رسمي؛ كان ذلك سيبدو فظّاً ومكلفاً سياسياً. بدلاً من ذلك، جرى تطبيق تسلسل ثلاثي أكثر “ذكاءً” وخطورة: أولاً، مجموعات “مدنية الشكل” تتسلل إلى المظاهرات لإحداث فوضى واحتكاك؛ ثانياً، خطاب ديني يُخرج المحتجّين والمحتجّات من دائرة الشرعية الأخلاقية، ويتهمهم/نّ بالخيانة أو الانحراف؛ وثالثاً، استهداف فردي لاحق بعد أن يكون الغطاء الاجتماعي قد تآكل.
هذا التسلسل لم يكن نتيجة الفوضى—بل كان أداتها. ومنه وُلدت لاحقاً منظومات القمع الأكثر صلابة، من الحسبة إلى السجون السرية.
اليوم، يبدو أن دمشق تعيد إنتاج المرحلة الأولى من هذا السيناريو. لم يكن ما حدث مفاجئاً. التحريض الذي سبقه—من تخوين علني، إلى التلويح بالعنف، إلى استخدام الدين كأداة تعبئة—كان بمثابة تمهيد منهجي. وعندما وصل المعتصمون والمعتصمات، لم يجدوا أنفسهم أمام دولة تحاورهم/نّ، بل أمام “شارع مضاد” جاهز، يسعى إلى تفكيك تجمعهم/نّ قبل أن يتشكل.
هذه ليست مجرد مواجهة بين طرفين متساويين. هذا هو جوهر المشكلة. منطق “شارع ضد شارع” ليس حياداً، بل هو تقنية سياسية: وسيلة لإعادة تعريف الفعل المدني بوصفه نزاعاً أهلياً، وبالتالي نزع شرعيته. حين يتحول الاعتصام إلى “طرف” في صراع، يفقد صفته كممارسة ديمقراطية، ويُختزل إلى اشتباك.
وقد تكرر هذا المشهد مراراً خلال العامين الماضيين—في ساحة المرجة، أمام البرلمان، وفي احتجاجات مرتبطة بمجازر الساحل والسويداء. في كل مرة، يُقابل الفعل السلمي لا بنقاش، بل بسيل من التخوين والإهانات، وأحياناً بالعنف المباشر. اللغة نفسها، القاموس ذاته، الاتهامات الجاهزة: “أين كنتم/نّ؟”، “أنتم/نّ عملاء”، “أنتم/نّ خونة”.
هذه ليست ردود فعل عفوية. إنها بنية.
وما يجعل هذه البنية أكثر خطورة هو موقعها الملتبس بين الدولة والمجتمع. في مشهد اليوم، أدت قوى الأمن دور الحماية—وهو أمر يُحسب لها—لكن الاعتداء جاء من “بيئة موالية”، تتصرف وكأنها مفوضة ضمنياً. هنا يكمن التهديد الحقيقي: حين تنشأ سلطة موازية، غير رسمية، تحتكر تعريف الوطنية والدين، وتمنح نفسها حق معاقبة المختلفين والمختلفات.
هذه ليست مجرد فوضى اجتماعية، بل نواة ميليشيا سياسية—حتى لو لم تحمل اسماً.
التاريخ السوري الحديث يقدّم أمثلة قاسية على ما يحدث حين تُترك هذه الظواهر بلا ضبط. تبدأ كأصوات مرتفعة في الشارع، وتنتهي كأجهزة قمع موازية، تُغني الدولة عن استخدام أدواتها الرسمية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل هوية من نزلوا/نزلن إلى الساحة. حضور ناشطي وناشطات 2011 ومعتقلين ومعتقلات سابقين/سابقات ليس تفصيلاً عاطفياً. إنه مؤشر سياسي عميق. هؤلاء وهؤلاء ليسوا هواة احتجاج. إنهم/نّ أشخاص يعرفون/ن كلفة الصمت، لأنهم/نّ دفعوها سابقاً. وهم/نّ يدركون أن اللحظات التأسيسية لا تتكرر كثيراً—وأن التنازل فيها يصبح لاحقاً قاعدة.
حين يختار هؤلاء وهؤلاء النزول مجدداً، فهم/نّ لا يحتجون فقط على واقعة محددة، بل على الاتجاه العام. إنهم/نّ يقولون/ن، ببساطة، إن ما يُبنى الآن سيحدد شكل الدولة لسنوات قادمة.
وهنا، يصبح السؤال الأساسي: هل تُدار الحرية كامتياز مؤقت، أم كحق قانوني ثابت؟
حتى الآن، يبدو أن حماية الفضاء العام لا تزال رهينة المزاج الأمني أو التوازنات اللحظية. وهذا وضع هش بطبيعته. لا يمكن بناء عقد اجتماعي على أساس “السماح” المؤقت. المطلوب هو نقل هذه الحماية إلى مستوى القانون: تشريعات واضحة تضمن حق التظاهر، وتجرّم التحريض—خصوصاً حين يتخذ لبوساً دينياً—وتحاسب الدعوة إلى العنف بغض النظر عن مصدرها.
بدون ذلك، سيبقى كل تجمع سلمي عرضة للاختبار نفسه، وسيبقى كل صوت مختلف مهدداً بالإقصاء أو ما هو أسوأ.
الشعار الذي رفعه المعتصمون والمعتصمات—“قانون وكرامة”—ليس مجرد مطلب. إنه معادلة. لا كرامة دون قانون، ولا قانون دون مساءلة. وما يحدث اليوم في الشارع السوري هو، في جوهره، صراع على أي طرف من هذه المعادلة سيُحذف أولاً.






