كيف يصل مجتمع ارتبط اسمه بمقاومة الاستعمار، وكتب أحد فصول الثورة السورية الكبرى، وشارك أبناؤه في الدفاع عن فلسطين عام 1948، إلى لحظة يرى فيها بعض أبنائه في طائرة إسرائيلية مصدر الردع الوحيد؟ كيف تتحول قوة كانت، في الوعي الجمعي، تجسيداً للعدو التاريخي، إلى ملاذ رمزي أخير في لحظة الخطر؟ هذا ليس سؤالاً عن تبدل الولاءات بقدر ما هو سؤال عن انهيار الثقة. ليس سؤالاً عن إسرائيل، بل عن الفراغ الذي سبقها.
رفع العلم الإسرائيلي في السويداء لا يمكن قراءته بوصفه تحولاً أيديولوجياً. حيث أنه لا توجد مراجعة فكرية جماعية فجائية لتاريخ الصراع، ولا إعادة تعريف فجائية للهوية السياسية. ما حدث أقرب إلى فعل احتجاجي يائس، إشارة سياسية موجهة إلى الداخل قبل الخارج. كانت لحظة انكشاف، مجتمع يكتشف فجأة أن كل ما وُعد به (الدولة، الإقليم، الخطاب القومي، التضامن الوطني) لم يكن أكثر من طبقات رمزية انهارت عند أول اختبار.
لأكثر من قرن، السويداء لم تكن في موضع الهامش السياسي. كانت مركزاً في لحظة تأسيسية من تاريخ سوريا الحديث. سلطان باشا الأطرش كان قائد حركة تحرر وطني تجاوزت حدود الجبل، وأسست لفكرة سوريا بوصفها كياناً سياسياً موحداً. وفي عام 1948، الدروز لم يأخذوا موقف المراقب المحايد. آلاف المقاتلين من جبل العرب انخرطوا في جيش الإنقاذ، بوصفهم جزءاً من تصور أوسع للعدالة السياسية في المنطقة. الهوية السياسية للسويداء لم تُبْنَ على الاحتماء، كما يسوق لها اليوم، بل على الفعل. كما أنها بنيت على رفض الهيمنة، أياً كان مصدرها.
ما يجعل اللحظة الراهنة قاسية إلى هذا الحد هو أنها لا تمثل استمراراً لهذا التاريخ، وإنما انكساراً له. ليس لأن المجتمع تخلى عن ذاكرته، ولكن لأن الواقع دفعه إلى حافة لم يعد فيها التاريخ مورداً كافياً للحماية. التاريخ لا يوقف الرصاص حين تغيب الدولة.
في تموز الماضي، حين وقعت المجزرة، انهارت كل السرديات دفعة واحدة. لم تحضر الدولة بوصفها ضامناً، ولم يتحرك النظام الإقليمي بوصفه شبكة حماية، ولم تتحول شعارات الوحدة إلى قوة ردع. الكلمات بقيت كلمات، بينما كان العنف فعلاً مادياً فجّاً. وفي تلك اللحظة تحديداً، حين تدخلت إسرائيل عسكرياً لضرب أهداف مرتبطة بمصادر التهديد، لم يُنظر إلى هذا التدخل بوصفه فعلاً إنسانياً، بل بوصفه الواقعة الوحيدة التي غيّرت ميزان القوة على الأرض. وهنا تحديداً تبدأ المأساة الحقيقية، حين يصبح العدو هو الوحيد القادر على التدخل ووقف القتل.
أيضاً رفع علم إسرائيل ليس حدثاً درزياً خالصاً، ولا بدعة وُلدت فجأة في السويداء. خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، وتحت ضغط القصف والحصار وانهيار أي أفق للحماية، شاهدنا مشاهد مشابهة في أماكن أخرى من سوريا. في درعا، توجّه بعض المدنيين إلى خطوط الفصل في الجولان، لم يكن طلباً للتطبيع ولا تعبيراً عن قناعة سياسية، وإنما كفعل استغاثة عارٍ، بحثاً عن أي قوة توقف القصف الذي كانت طائرات النظام تمطره فوق رؤوسهم. وبعد هجمات السابع من أكتوبر، ومع تكثيف إسرائيل ضرباتها على مواقع النظام السابق وحلفائه، ظهرت في إدلب لافتات علنية تشكر إسرائيل ونتنياهو، وجرى تداول هذه الصور بلا مواربة. هذه الوقائع لا تبرّر شيئاً ولا تدينه بقدر ما تكشف حقيقة أكثر قسوة، أن انهيار الدولة بوصفها مظلة حماية يدفع المجتمعات، مهما كان تاريخها أو هويتها، إلى البحث عن الأمان في أكثر الأماكن تناقضاً مع ذاكرتها. المشكلة، مرة أخرى، ليست في العلم الذي رُفع، بل في العالم الذي جعل رفعه ممكناً.
كذلك الأمر هذه الظاهرة ليست استثناءً سورياً. في إيران، التي بنت شرعيتها السياسية منذ عام 1979 على معاداة إسرائيل، ظهرت مشاهد مماثلة خلال الاحتجاجات الأخيرة، حيث رفع بعض المتظاهرين العلم الإسرائيلي في شوارع أوروبية وأميركية. كان ذلك تعبيراً عن انهيار العلاقة الرمزية بين المجتمع والنظام. حين تحتكر السلطة قضية كبرى وتستخدمها لتبرير القمع الداخلي، لا تفقد القضية عدالتها، وإنما يفقد النظام احتكاره لها. وحين يحدث ذلك، يتحول الرمز نفسه إلى أداة احتجاج ضده.
في كلتا الحالتين، السويداء وطهران، لا يتعلق الأمر بإسرائيل بقدر ما يتعلق بالدولة. حين تفشل الدولة في أداء وظيفتها الأساسية، حماية مواطنيها، تفقد احتكارها لتعريف العدو والصديق. يبدأ الأفراد بإعادة تعريف العالم وفق معيار أولي “من يهدد بقائي، ومن يضمنه”. في هذه النقطة تحديداً، تسقط الأيديولوجيات. ليس لأنها هُزمت، ولكن لأنها لم تعد قادرة على حماية أحد.
الفراغ السياسي لا يبقى فراغاً، هذه إحدى القواعد القاسية في علم الاجتماع السياسي. حين تغيب الحماية، لا ينتظر المجتمع طويلاً. يبحث عن أي قوة قادرة على فرض توازن.
ما حدث في السويداء يكشف فشل المنظومة الإقليمية التي طالما قدّمت نفسها بوصفها حامية للقضية الفلسطينية، وراعية للاستقرار، وضامنة للتوازن. حين عجزت هذه المنظومة عن حماية مجتمع صغير من العنف الجماعي، فقدت احتكارها للشرعية. وحين يحدث ذلك، يصبح المجال مفتوحاً لإعادة تعريف كل شيء، التحالفات، الرموز، وحتى الأعداء.
لذلك لا يمكن فهم رفع العلم الإسرائيلي بوصفه خياراً سياسياً تقليدياً، ولا حتى كموقف أيديولوجي قابل للتصنيف. ما يظهر هنا هو تعبير فجّ عن انقطاع العلاقة بين المجتمع وكل البنى التي ادّعت تمثيله أو حمايته. حين تتآكل وظيفة الدولة، وتفشل الإطارات الإقليمية، وتتحول الشعارات إلى صدى بلا أثر، يفقد الرمز الوطني قدرته على أداء وظيفته النفسية الأساسية، منح الشعور بالأمان والانتماء. الرمز المرفوع، أيّاً كان، لا يُقرأ هنا بوصفه إعلان اصطفاف، ولكن بوصفه علامة على انهيار نظام المعاني الذي كان ينظّم العلاقة بين المجتمع ومحيطه. هو تعبير عن انتقال المجتمع من موقع الاعتراض داخل الإطار القائم، إلى موقع القطيعة معه. وهذا التحول لا يحدث لأن الناس غيّروا تاريخهم، يحدث لأن التاريخ نفسه توقف عن أداء وظيفته كمرجعية واقعية للحماية.
هنا يجب السؤال بشكل مباشر، هل فعلاً أزعجكم رفع العلم؟ أم أن ما أزعجكم هو المرآة التي وضعها هذا العلم أمامكم، لا أكثر؟ ألم يزعجكم القتل حين وقع، والحصار حين خنق مدينة كاملة، والعجز حين وقف الجميع متفرجين؟ ألم يزعجكم أن مجتمعاً كاملاً تُرك وحيداً في مواجهة مصيره، بلا دولة تحميه، ولا إقليم يسنده، ولا خطاب يترجم نفسه إلى فعل؟ أم أن المشكلة تبدأ فقط حين يخرج اليأس إلى العلن، ويصبح مرئياً، ولا يعود قابلاً للإنكار؟
الفضيحة ليست في الرمز الذي رُفع، الفضيحة كاملة في النظام الذي جعل رفعه مفهوماً. الفضيحة ليست في لحظة الانكسار، الفضيحة تكمن في السنوات التي سبقتها، حين جرى تآكل كل ما كان يفترض أن يمنع الوصول إليها. لأن المجتمعات لا تهجر رموزها عبثاً، ولا تبحث عن النجاة في أكثر الأماكن تناقضاً مع تاريخها إلا حين تكون قد استُنزفت بالكامل، وحين تكون كل الأبواب الأخرى قد أُغلقت. وما حدث ليس خيانة لذاكرة المقاومة في السويداء، ما حدث كان نتيجة مباشرة لعالم جعل النجاة امتيازاً نادراً، بدل أن يكون حقاً بديهياً. وفي مثل هذا العالم، لا يكون العار في المجتمعات التي تبحث عن حماية بأي ثمن، العار الكامل يقع على الأنظمة التي جعلت الحماية خارجها أمراً ممكناً.
