ماذا تعلّمنا بعد قسد؟

لماذا يكرر السوريون بناء مشاريعهم السياسية على افتراضات خارجية بدل تأسيس شرعية داخلية؟ لماذا يتعامل كل طرف مع فكرة الحماية الدولية كأنها ثابت، ثم يتصرف كأن تبدّل الأولويات استثناء صادم؟ كم مرة يجب أن تتكرر النتيجة نفسها كي نفهم أن من لا يبني عناصر قوته من الداخل سيبقى بنداً قابلاً للشطب في خرائط الآخرين؟

تراجع قوات سوريا الديمقراطية ليس تفصيلاً ميدانياً في حرب طويلة. كان التراجع انكشافاً سياسياً لخلل في تعريف الدور، وفي تقدير العلاقة مع القوى الكبرى، وفي إدارة مجتمع متنوع داخل مناطق السيطرة. لذلك من حقنا أن نسأل لماذا بُني المسار كله على توازنات متحركة، وعلى ضمانات لم تكن يوماً التزاماً، وعلى خطاب سياسي لم يتحول إلى عقد اجتماعي فعلي مع السكان؟

المشكلة الأساسية أن مشروع قسد، منذ بداياته، لم يُحسم بوصفه عقداً سياسياً متوافقاً عليه داخل المجتمع السوري، بل تشكّل تدريجياً بوصفه ترتيباً وظيفياً مرتبطاً بالحرب على داعش. ومع الوقت جرى توسيع هذا الترتيب وتحميله سردية سياسية كاملة عن الفيدرالية والاعتراف الدولي والديمقراطية المحلية. هذا الانتقال من وظيفة أمنية إلى مشروع سيادي لم يستند إلى ضمانات واقعية، ولا إلى توافق إقليمي، ولا إلى بنية سياسية داخلية تسمح بتحويل إدارة عسكرية إلى شرعية طويلة الأمد.

الطموح الكردي الباحث عن صيغة حكم ذاتي أو إدارة مختلفة لا عيب فيه. الخطأ كان في طريقة تقديم هذا الطموح وتوقيته وحدود تعميمه. تم التعامل مع الحضور الأميركي وكأنه ضمانة استراتيجية دائمة، لا كتحالف ظرفي محدود بسياق مكافحة الإرهاب. وتم التعامل مع خطاب الفيدرالية بوصفه خياراً قابلاً للتحقق بمجرد تكراره سياسياً، رغم أن الشروط الجغرافية والديموغرافية في شمال شرق سوريا لا تسمح بنموذج مطابق لإقليم كردستان العراق.

هنا تظهر كارثة إدارة التوقعات. الخلل في إدارة العلاقة بين السلطة والمجتمع عن طريق رفع سقف التوقعات. حين تُقنع قيادة مجتمعها بأن الغطاء الدولي ثابت ثم يُسحب الغطاء، فالنتيجة ليست خسارة عسكرية فقط، بل انهيار الثقة التي تقوم عليها أي سلطة. تتحول السياسة إلى إنتاج توقعات ثم ترك المجتمع يواجه آثارها وحده. وعندما تُدار التطلعات بهذه الطريقة تصبح أي تعهدات لاحقة ضعيفة مسبقاً، لأن المشكلة لم تكن في وعد واحد، وإنما في نمط إدارة الوعود.

الأخطر أن هذا الوهم لم يبق محصوراً داخل مناطق الإدارة الذاتية. جرى تصديره كصيغة قابلة للتكرار في ساحات أخرى، لدى العلويين والدروز وغيرهم، وكأن قسد تملك القدرة على منح ضمانات أو صكوك حكم ذاتي. اجتماع بروكسل مثّل ذروة هذا المنطق. حين اجتمعت كيانات صغيرة تناقش الفيدرالية واللامركزية تحت رعاية دولية رمزية، بينما لا يملك أي طرف منها ضمانات صلبة لنفسه. التصرف كأن الفيدرالية تُقرر في العواصم الأوروبية لا في موازين القوة داخل سوريا وحولها كان جزءاً من المشكلة، لأنه أعاد إنتاج السياسة بوصفها مراهنة على الخارج بدل أن تكون بناء ترتيب داخلي قابل للدفاع عنه.

أما ما يسمى “الدرس الأميركي” فليس درس خيانة بالمعنى الأخلاقي، لأن العلاقات الدولية لا تعمل وفق منطق الوفاء. الولايات المتحدة لم تُخفِ يوماً أن تعاونها مع قسد كان مرتبطاً بأولوية واحدة: محاربة داعش ومنع عودته. لم يكن هناك مشروع أميركي مُعلن لبناء كيان سياسي دائم في شمال شرق سوريا، ولا التزام بتأمين حماية طويلة المدى ضد دمشق أو أنقرة. الصدمة لا تكمن في تبدّل الموقف الأميركي، ولكن في سوء تقدير قسد لطبيعة العلاقة منذ البداية، وفي محاولة تحويل الدعم التكتيكي إلى مظلة استراتيجية.

ولكي نفهم تبدّل الأدوات، لا يكفي النظر إلى واشنطن وحدها. المرحلة الأخيرة شهدت انفتاحاً أميركياً متزايداً على دمشق نفسها. قبل الانضمام الرسمي إلى ترتيبات التحالف وبعده، قدّمت دمشق معلومات استخباراتية ساهمت في استهداف قيادات بارزة في داعش. هذا النوع من التعاون يوضح منطقاً معروفاً في السياسة الأميركية. منطق البحث عن الطرف الأكثر نفعاً في لحظة محددة ضمن معادلة مكافحة الإرهاب، لا بناء شراكة ثابتة تُحمّل التزامات بعيدة المدى. عندما يتغير تقدير النفع، تتغير الأدوات.

في السياق نفسه عيّنت دمشق مستشاراً لشؤون القبائل والعشائر، جهاد عيسى الشيخ المعروف بـ”أبو أحمد زكور”، وهو شخصية معروفة بعلاقاتها داخل البيئات العشائرية على امتداد الخريطة السورية. الخطوة ليست بروتوكولية، كانت محاولة لإعادة بناء شبكات النفوذ عبر وسطاء محليين داخل مناطق كانت خارج السيطرة. حين تبدأ السلطة بإعادة ترتيب الولاءات عبر مفاتيح اجتماعية، فهي لا تراهن فقط على القوة، بل على تفكيك فراغ التمثيل الذي تتركه الإدارات القائمة عندما لا تنتج شراكة سياسية مقنعة.

لكن العامل الخارجي ليس وحده المسؤول، لأن المسألة الأكثر حساسية كانت في الداخل. في الرقة ودير الزور وأجزاء واسعة من البيئة العربية، لم تُحسم علاقة السكان بالإدارة الذاتية بوصفها شراكة كاملة. كثيرون رأوا أن السلطة لم تُبنَ عبر تمثيل سياسي حقيقي، وإنما عبر توازن عسكري فرض نفسه بعد الحرب على داعش. ظهرت شكاوى تتعلق بالاعتقالات التعسفية، وبالخطف وتجنيد الأطفال، وبالتعذيب وصولاً إلى الموت. وعلى المستوى الإداري ظهرت شكاوى مرتبطة بالتوظيف والإدارة المحلية والتمييز ومحدودية المشاركة. كان المطلوب معالجة سياسية دقيقة لهذه الملفات، لأنها ملفات شرعية لا ملفات سمعة.

بدلاً من ذلك جرى التعامل مع النقد بوصفه تهديداً أمنياً أو تشكيكاً في “المشروع”. ما نتج عن ذلك كان انغلاقاً سياسياً متزايداً. هذا نمط معروف في تجارب الحكم بعد النزاعات. حين تفشل السلطة في إنتاج شرعية مدنية تميل إلى التعويض بالأمن، وحين يغيب الحوار يتحول المجتمع إلى مساحة مشتبه بها. بهذه الطريقة يفقد المشروع أساسه الداخلي قبل أن يفقد غطاءه الخارجي. وعندما تأتي لحظة الضغط، لا يجد المشروع كتلة اجتماعية مستعدة لتحمّل كلفة الدفاع عنه، لأن العلاقة لم تُبنَ على مشاركة فعلية.

إحدى علامات هذا الخلل كانت في إدارة العمل السياسي الخارجي. قرار تخفيف النشاط أو تجميد مجموعات الضغط الكردية في واشنطن بعد تفاهمات آذار لم يكن تفصيلاً ثانوياً. اللوبي السياسي في العواصم المؤثرة ليس نشاطاً موسمياً يتوقف عند توقيع تفاهم. في السياسة الدولية الاتفاقات لا تحمي أحداً بذاتها، ما يحمي هو القدرة على فرض كلفة سياسية عند خرقها أو تجاوزها. التراجع عن العمل التراكمي في مراكز القرار كان إعلاناً عملياً عن سوء فهم لطبيعة الصراع، لأن الخصوم لا يخففون ضغطهم عندما يوقّع خصمهم ورقة تهدئة، على العكس يختبرون حدودها ثم يبحثون عن ثغراتها.

ثم تأتي المسألة الجغرافية، فالمقارنة مع كردستان العراق مضللة. شمال شرق سوريا ليس إقليماً متصلاً، بل ثلاث مناطق منفصلة جغرافياً، مع درجة عالية من الاختلاط السكاني، ومع حضور كبير للعرب والسريان ومكونات أخرى. هذا يعني أن أي نموذج سيادي مغلق يصطدم مباشرة بالواقع الديموغرافي وبالرفض الإقليمي وبعوامل الأمن والاقتصاد والموارد. تحويل الإدارة إلى حدود سياسية واضحة في هذا السياق يفتح باب صراعات إضافية أكثر مما يقدّم حلولاً.

من هنا يجب النظر بالخيار الأكثر واقعية، لا نعني إنكار الهوية الكردية ولا تحويلها إلى مشروع مواجهة مفتوحة، ولكن البحث عن صيغة قابلة للاستمرار داخل سوريا. صيغة تقوم على لامركزية إدارية واسعة، مؤسسات محلية قوية، صلاحيات حقيقية في التعليم والخدمات والتنمية، أجهزة أمن محلية خاضعة للمجتمع، وضمانات دستورية للثقافة واللغة والتمثيل. هذه صيغة أقل صدامية وأكثر قابلية للتطبيق، لأنها لا تعتمد على فرض سيادة منفصلة، وإنما على إعادة توزيع السلطة داخل الدولة بما يسمح بتمثيل فعلي ويحمي التعدد.

الدرس الأهم بعد ما حصل لقسد أن السياسة ليست خطاباً ولا إدارة لحظة عسكرية. السياسة بناء شرعية، إدارة تنوع، قراءة دقيقة للمصالح الدولية، وعدم تحويل الدعم الخارجي إلى بديل عن التوافق الداخلي. التجربة أثبتت أن المشاريع التي لا تواجه أسئلة الداخل، ولا تبني أدوات ضغط مستقلة، ولا تُقدّر حدود الجغرافيا، تصبح عرضة للانهيار بمجرد تبدّل أولويات القوى الكبرى.

والدرس لم يُفهم بعد على ما يبدو. اليوم في مناطق أخرى يتكرر المنطق نفسه بوجوه جديدة. يجري الحديث عن حماية إسرائيلية، والرهان على أن تل أبيب ستوفر ما لا توفره واشنطن. لكن إسرائيل تتصرف وفق حسابات أمنها الواضحة. أي ضرب إيران وحزب الله، تثبيت وضع الجولان والحدود، منع أي تهديد مباشر. ضمن هذا الإطار أي فاعل محلي يتحول إلى أداة وظيفية لا إلى شريك. والأخطر أن هذا الرهان لا يضيف فقط هشاشة الضمانة الخارجية، بل يضيف عبئاً داخلياً يجعل أي مشروع موصوماً قبل أن يبدأ، لأنه يستدعي مسألة الاحتلال كجزء من شرعية مزعومة.

أحلام الشعوب مشروعة، لكنها حين تُبنى على قراءة خاطئة للواقع وحين تتجاهل موازين القوى وتستبدل السياسة بالرهانات، فإنها تتحطم على أول اختبار. والثمن لا يدفعه من راهن وحده، بل مجتمع كامل يجد نفسه محكوماً بتداعيات قرار لم يشارك في صنعه.

قسد لم تسقط لأنها لم تقاتل، سقطت لأنها أدارت نفسها كوظيفة عسكرية لا كمشروع سياسي. فشلت لأنها لم تحوّل السيطرة الميدانية إلى شرعية مجتمعية، ولم تقرأ المعادلة الدولية بدقة، ولم تبنِ قوة ضغط مستقلة عن واشنطن. في السياسة، لا أحد يحميك لأنك على حق، بل لأنك ضروري. ولا أحد يتذكرك لأنك قاتلت، بل لأنك بنيت ما يصعب إلغاؤه. الجريمة الحقيقية لم تكن الانهيار، بل تعشيم الناس بما لا يمكن ضمانه، ثم تركهم يدفعون ثمن وهم لم يصنعوه.

مقالات مشابهة