في كل مرة يُطرح فيها توصيف العنف الجاري اليوم في سوريا بوصفه “فاشية سنّية”، ينهض اعتراض يبدو في ظاهره حريصاً على التوازن، لكنه في جذره يتهرّب من السياسة. الاعتراض لا يقول إن ما يجري ليس فاشية، بل يقول إن تسميتها على هذا النحو “طائفية”. وهنا تحديداً يبدأ الخلل: الخلط بين الطائفة بوصفها بنية اجتماعية مفتوحة ومتعدّدة، وبين الفاشية بوصفها نمط سلطة، علاقة قمع، وآلية تعبئة تستخدم الهوية وقوداً لها. هذا الخلط ليس بريئاً، لأنه يعيد إنتاج العمى نفسه الذي سمح للفاشية الأسدية أن تعيش عقوداً كاملة بلا اسم دقيق.
توصيف نظام الأسد بوصفه نظاماً فاشياً لا يستند إلى موقف انفعالي أو إلى مزايدة أخلاقية، بل إلى قراءة بنيوية لطبيعة السلطة وآليات عملها. غير أن إلحاق هذه الفاشية بطائفة بعينها يمثّل خطأً تحليلياً جوهرياً. الفاشية الأسدية لم تكن نتاج هوية طائفية، بل نتاج بنية سلطوية مركّبة، عابرة للطوائف، استخدمت الطائفية أداة للحكم لا أساساً له. شاركت في تشغيل هذه المنظومة شبكات ومؤسسات وفاعلون من بيئات اجتماعية متعدّدة، وكان عمودها الوظيفي والاجتماعي، في مستويات واسعة، سنّياً بامتياز: من أجهزة أمن وبيروقراطيات محلية وشبكات مصالح، إلى خطاب ديني تعبوي أدّى دوراً مركزياً في شرعنة القمع وإدارته يومياً. اختزال هذه المنظومة في طائفة واحدة (العلوية) لا يشكّل نقداً للنظام، على العكس يعفي بنيته الفعلية من المساءلة، عبر نقل المسؤولية من آليات السلطة إلى هوية جماعية، وهو ما يفضي عملياً إلى تبرئة النظام لا إلى تفكيكه.
اليوم نحن أمام سياق مختلف جذرياً. منذ نهاية عام 2024، يتشكّل نمط عنف جديد لا يقوم فقط على السلاح، بل على اللغة، وعلى شرعنة الاستباحة بوصفها حقاً سياسياً وأخلاقياً للأكثرية. القتل على الهوية، والخطف، والتهديد، والخطاب العلني الداعي إلى الإبادة أو التطهير، لم تعد ممارسات هامشية أو استثناءات معزولة. هي تظهر في الشارع، وفي الساحات، وعلى المنابر، وفي الفضاء الإعلامي، وغالباً بلا أي محاولة جدية لإخفائها. هذه الممارسات لا تصدر من فراغ اجتماعي، ولا من “انفلات” غير قابل للتسمية. هي تصدر من جماعات تنتمي إلى البيئة السنية، وتستند إلى خطاب ديني وهوياتي يضع الأكثرية في موقع التفويض، ويحوّل التفوق العددي إلى رخصة للعقاب.
استخدام مصطلح “الفاشية السنية” هنا ليس إدانة لطائفة، ولا حكماً أخلاقياً على مذهب، ولا اختزالاً لمجتمع متنوّع في صورة واحدة. هو توصيف تحليلي دقيق لبنية سلطوية ناشئة: فاشية تصدر من موقع الأكثرية، تتغذّى على خطاب ديني تعبوي، وتحوّل الخوف والغضب والذاكرة الجريحة إلى أدوات ضبط وقمع. تماماً كما لم تكن الفاشية الأسدية “علوية”، فإن الفاشية السنية اليوم ليست “السنة”. هي انحراف سلطوي داخل بيئة اجتماعية بعينها، يجرّ وراءه جمهوراً غوغائياً، ويُسكت جمهوراً أوسع بالصمت والخوف والإنكار.
وحين يُرفع السكين باسم الجماعة، لا يعود مهماً من يحملها بقدر ما يصبح مهماً من يصفّق لها أو يشيح بوجهه عنها.
وكما تُسمّى الفاشية حين تصدر من موقع الأكثريّة السنيّة، يجب أن تُسمّى أيضاً حين تتخذ شكلاً إثنياً مضاداً. هذا القول لا يلغي تاريخ الاضطهاد الذي تعرّض له الكرد، ولا يخفّف من مسؤولية الأكثريات السورية عمّا جرى ويجري، لكنه يرفض منطق الردّ الإبادي بوصفه سياسة بديلة. ما شهدناه في الأيام الأخيرة بعد انهيار سيطرة قسد على دير الزور والرقة، كان انكشافاً سياسياً وأخلاقياً لجزء من الخطاب الكردي، حين انتقل من نقد السلطة المركزية إلى اختزال العرب بوصفهم كتلة واحدة، خائنة وغير جديرة بالشراكة. هذا الخطاب، الذي هاجم برنامج “أخوّة الشعوب” نفسه، لم يتوقف عند مساءلة الخيارات السياسية أو البُنى العسكرية، بل ذهب إلى تحميل “العرب” كهوية جامعة مسؤولية الانهيار، وكأن ملايين البشر وحدة متجانسة بلا تناقضات أو إكراهات أو تاريخ مشترك.
هنا نكون أمام فاشية مضادّة تتغذّى على الخيبة، وتختار الطريق الأسهل سياسياً والأفقر أخلاقياً. أي بدل مساءلة تجربة قسد في المناطق العربية، وفتح نقاش جدي حول سياساتها وبُناها الأمنية وشعور قطاعات واسعة من أبناء هذه المناطق بالغبن ورؤيتهم لها كسلطة مفروضة أو كاحتلال مقنّع، جرى القفز فوق الأسئلة لصالح اتهام جماعي. صار “العرب” كتلة واحدة، وصارت الخيانة صفة جاهزة لا توصيفاً لسلوك محدّد. بهذا المعنى، لم يُستبدل الاستبداد بنقده، وإنما بنقل منطق الاستباحة من السلطة إلى المجتمع. الفاشية، هنا، لا تُقاس بهوية من يمارسها، بل بالمنطق الذي تحمله. بمعنى أنها تقوم على نفي السياسة، تحويل الجماعة إلى كيان نقيّ، وتجريد الآخر من حقه في التعقيد والاختلاف والوجود. وحين يُواجَه انحراف فاشي بانحراف مماثل، لا تُكسَر الدائرة، على العكس تماماً يُعاد إنتاجها بلغة أخرى، وبذاكرة أكثر مرارة.
الجدير بالذكر أن الفاشية ليست عيب طائفة بعينها، إنها قابلية بشرية كامنة، تستيقظ كلما مُنحت الجماعة شعور التفويض الأخلاقي. لا توجد طائفة محصّنة، ولا جماعة بريئة بحكم تاريخها أو مظلوميتها. كل بيئة، حين تُقنع نفسها بأنها الضحية الأسمى، قادرة على إنتاج فاشيتها الخاصة، لغتها الخاصة، وأعداءها الضروريين. السياسة تستثمر هذه القابلية، لكن المجتمعات تتواطأ معها أيضاً، بالصمت حيناً، وبالتهليل حيناً آخر. وحدهم الذين يرفضون تحويل الخوف إلى حق، والذاكرة إلى سلاح، ينجون من هذا الانحدار. البقية، مهما اختلفت هوياتهم، يشتركون في العطب نفسه.
الخطأ الأكبر لا يكمن فقط في من يمارس هذا العنف، وإنما في السلطة التي تسمح له بالتحوّل إلى نمط. هنا تظهر مسؤولية السلطة الانتقالية بوصفها الفاعل السياسي المركزي في هذه اللحظة. هذه السلطة التي يفترض أنها جاءت لإنهاء منطق الاستباحة لا لتدويره، تقف اليوم موقف المتفرّج، أو المبرّر، أو الصامت. منذ إعلان المرحلة الانتقالية، خُرق الإعلان الدستوري مراراً، وصدر كمّ من القوانين والقرارات التي لا تستند إلى مسار قانوني واضح ولا إلى تفويض شعبي. ومع ذلك، ورغم هذه الحماسة التشريعية المرتجلة، لم يصدر حتى الآن قانون واحد يجرّم الطائفية أو خطاب الكراهية، ولم تُنشأ آلية مساءلة جدّية للتحريض العلني على العنف، رغم أن هذا التحريض حاضر بكثافة، أحياناً حتى في الإعلام الرسمي أو شبه الرسمي.
هذا الغياب لا يمكن اعتباره سهواً، هو موقف صريح. فالسلطة التي لا تجرّم الطائفية تشرعنها، والسلطة التي تساوي بين حرية التعبير والدعوة إلى الإبادة لا تحمي المجتمع، تتركه مكشوفاً أمام أسوأ غرائزه. الفاشية لا تحتاج دائماً إلى قرار رسمي كي تنمو؛ يكفيها قانون غائب، وصمت محسوب، وتواطؤ رمزي يمرّ عبر اللغة. حين يُترك خطاب الكراهية يتكرّر بلا رادع، يصبح جزءاً من النظام لا شذوذاً عنه.
وبهذا المعنى، الفاشية السنية اليوم تجاوزت حدّ العنف الشعبي المنفلت، وأصبحت علاقة مختلّة بين جمهور مُعبّأ وسلطة انتهازية. سلطة تعرف أن ضبط هذا العنف سيكلّفها مواجهة قواعد اجتماعية تعتمد عليها، فتؤجّل المواجهة إلى أجل غير مسمّى. هذا الصمت ليس حياداً، بل إدارة للعنف من الخلف، تسمح له بالعمل حين يخدم، وتتبرّأ منه لفظياً حين يفيض.
الذين يطالبون اليوم بتخفيف اللغة أو بتجنّب المصطلحات “الاستفزازية” يتجاهلون التاريخ السوري قديمه وحديثه. حيث أن الفاشية لا تُهزم بعد أن تستقر، وإنما حين تُسمّى في لحظة تشكّلها. الانتظار باسم الحكمة، أو الخوف من جرح المشاعر، هو بالضبط ما سمح للفاشية الأسدية أن تتحوّل من استثناء إلى نظام. التحليل الصريح شرط وقائي، وليس ترفاً فكرياً. المسألة، في جوهرها، ليست دفاعاً عن الأقليات بوصفها أقليات، ولا استهدافاً للأكثرية بوصفها أكثرية. هي دفاع عن فكرة الاجتماع السوري نفسه، عن فكرة أن الدولة لا تُدار بمنطق الغلبة، وأن السياسة لا تُختزل في حساب الأعداد. كل تجربة سورية مع السلطة الفئوية انتهت بكارثة، سواء حملت راية أقلية أو أكثرية. الفاشية، في أي لبوس جاءت، هي نفي السياسة، وتحويل المجتمع إلى مادة طيّعة للضبط والإقصاء.
لا يمكن الحديث عن مستقبل سوري من دون مواجهة مباشرة ومتعددة المستويات. مواجهة الفاشية حين تظهر في الشارع، ومواجهة السلطة التي تتركها تتغذّى على الفراغ القانوني والأخلاقي. لا عدالة بلا تسمية، ولا انتقال بلا تفكيك منطق الاستباحة، ولا دولة من دون قانون يجرّم الكراهية بوضوح لا لبس فيه. كل تأجيل لهذا الاستحقاق هو مساهمة مباشرة في صناعة العنف الأهلي.
وفي الختام، يجب أن نتذكّر دائماً أن التحليل ليس طائفية، وأن الصمت ليس حكمة. الفاشية لا تسقط لأننا نشتمها بالعموم، ولا لأننا نعلن براءتنا منها لفظياً. تسقط فقط حين تُسمّى وتُعرّى وتُواجَه بلا انتقائية ولا شفقة. من يهرب اليوم من تسميتها، أياً كان اسمها أو لباسها أو جمهورها، لا يقف خارجها كما يتوهّم، وإنما يشارك في حمايتها عبر الإنكار. الفاشية لا تبدأ بالقتل، تبدأ بالصمت عنه، ولا تستكمل سلطتها إلا حين يقنع الناس أنفسهم أنهم أذكى من الاعتراف بأنهم جزء من آلتها.
