بين ذاكرة لا ينبغي أن تُدفن ومستقبل لا ينبغي أن نورّثه الكراهية

مقالة

فوز ثلاثة صحفيين سوريين بجائزة سمير قصير لحرية الصحافة هذا العام ليس خبرًا يحتاج إلى الكثير من الزينة. تكفي قراءة الأعمال الفائزة لنعرف أن ما يستحق التوقف عنده ليس الجائزة وحدها، بل ما اختارت هذه الأعمال أن تنظر إليه، وما قررت ألا تمر بجانبه بصمت.

فازت فاطمة أحمد عن مقالها ( عناقيد الكراهية… حصاد الجرح)  بينما فاز علي الإبراهيم وميس قات عن التحقيق الاستقصائي ( أطفتل  سوريا المسروقون ) . عملان مختلفان في الشكل والموضوع، لكنهما يلتقيان، بطريقة لافتة، عند سؤال يبدو سوريًا جدًا اليوم. ماذا نفعل بذاكرتنا، وأي مستقبل نصنع بما نقوله ونكتبه ونورثه؟

في ( عناقيد  الكراهية… حصاد الجرح )  تنظر فاطمة أحمد إلى مجتمع أنهكته الانقسامات، وإلى اللغة حين تتحول من وسيلة للتواصل إلى أداة للتصنيف والتخوين والإقصاء. تنطلق من تجربتها الشخصية كامرأة سورية كردية تحمل في داخلها هويات متعددة، لتتوقف عند الكراهية التي لا تبدأ دائمًا بصوت مرتفع. قد تبدأ بنكتة أو وصف عابر أو حكم مسبق نكرره حتى يصبح طبيعيًا، ثم يرث الأطفال ما لم يختاروه أصلًا، ويتعلمون تقسيم العالم بين «نحن» و«هم».

أما ( أطفال سوريا المسروقون)  يأخذنا إلى مكان آخر، إلى ذاكرة حاولت منظومة القمع أن تدفنها. يتتبع التحقيق مصائر أطفال من أبناء المعتقلين أخفاهم النظام السابق في دور للرعاية، ويعود إلى الوثائق والشهادات بحثًا عن أسماء ومصائر وعائلات ما زالت تنتظر الإجابات. وراء كل وثيقة طفل، ووراء كل اسم عائلة تحاول أن تعرف أين ذهب طفلها، ومن أخذه، ولماذا.

قد يبدو العملان بعيدين عن بعضهما. أحدهما ينظر إلى خطاب يتشكل اليوم ويحذر مما يمكن أن نصبحه غدًا، والآخر يعود إلى الماضي وينبش في جريمة ما زالت آثارها وأسئلتها مفتوحة.

لكن المسافة بينهما ليست كبيرة كما تبدوً

بين ذاكرة ينبغي ألا تُدفن، ومستقبل ينبغي ألا نورّثه الكراهية، تقف الصحافة السورية أمام وظيفة أكبر من نقل الخبر.

وربما لهذا لا أستطيع أن أقرأ خبر فوز ثلاثة صحفيين سوريين بجائزة تحمل اسم حرية الصحافة بوصفه خبرًا عابرًا. كلمة «الحرية» هنا ثقيلة، خصوصًا في بلد كانت فيه الكلمة والصورة والسؤال كافية أحيانًا ليصبح صاحبها ملاحقًا أو معتقلًا أو منفيًا

فالصحافة لا تحتاج إلى الحرية لأنها امتياز للصحفي، بل لأننا نحن نحتاج إلى ما تتيحه لنا. نحتاج إلى من يستطيع فتح ملف مثل ( أ طفال سوريا المسروقونً)  والبحث في الوثائق والشهادات، وطرح الأسئلة التي قد لا يرغب أصحاب السلطة أو النفوذ في سماعها. ونحتاج أيضًا إلى من ينظر داخل المجتمع نفسه، كما فعلت فاطمة أحمد، ويسأل عن الكراهية التي قد نصنعها نحن ونمر بجانبها من دون أن ننتبه

وحماية الصحفيين، بهذا المعنى، ليست قضية تخص الصحفيين وحدهم حين يخاف الصحفي من السؤال نخسر نحن جزءًا من حقنا في المعرفة. وحين يصبح ثمن التحقيق أو النقد أكبر من قدرة صاحبه على احتماله، لا يصمت شخص واحد فقط، بل تضيق المساحة التي يمكن للحقيقة أن تظهر فيها.

وربما يكون أحد أصعب امتحانات حرية الصحافة في سوريا اليوم ألا نكتفي بالمساحة التي اتسعت بعد عقود من القمع، وألا نفترض أن انتهاء مرحلة يعني أن معركة الحرية قد انتهت. فالحرية لا تُختبر فقط في القدرة على الكتابة عما فعلته سلطة رحلت، بل في القدرة على مساءلة الحاضر أيضًا. أن يبقى السؤال مشروعًا مهما تغير من يجلس في موقع السلطة، وأن يبقى النقد حقًا حتى عندما يطال جهة نؤيدها أو فكرة نؤمن بها.

فالصحافة ليست مطالبة بأن تمنحنا الطمأنينة دائمًا. أحيانًا تكون وظيفتها أن تقلق ما ظنناه محسومًا، وأن تفتح ملفًا كنا نفضل إغلاقه، وأن تضع أمامنا سؤالًا لا نرغب في سماعه.

لا يمكن أن نحمي حرية الصحافة فقط عندما تعجبنا الصحافة.

وفي الاحتفاء بهذا الفوز شيء يتجاوز أسماء الفائزين أنفسهم. فالصحافة السورية عاشت سنوات لم تكن فيها مهنة عادية. صحفيون وصحفيات حملوا الكاميرا أو القلم في أماكن كان مجرد توثيق ما يحدث فيها مخاطرة. شاهدوا ما يصعب أن يُرى، وكتبوا عما كان يراد له أن يبقى بلا شاهد. بعضهم دفع ثمن ذلك اعتقالًا أو تهديدًا أو اقتلاعًا من المكان، وبعضهم واصل عمله من المنفى محاولًا ألا تنقطع الحكاية السورية عن أصحابها.

لهذا تبدو الجوائز، على أهميتها، أقل من أن تختصر ما يستحقه هذا العمل من تقدير. الفوز مناسبة للتهنئة بالتأكيد، لكنه أيضًا مناسبة للامتنان. لفاطمة أحمد وعلي الإبراهيم وميس قات على الأعمال التي قدموها، ولكل صحفي وصحفية أصروا خلال هذه السنوات على أن تكون لسوريا ذاكرة مكتوبة وموثقة، وعلى أن يبقى هناك من يسأل حين يكون السؤال صعبًا.

وربما يكون أجمل شكل لهذا الامتنان ألا يبقى تصفيقًا بعد الفوز، بل أن تكون هناك مساحة يستطيع فيها الصحفي أن يعمل من دون أن يصبح السؤال مخاطرة، أو النقد تهمة، أو الوصول إلى الحقيقة سببًا للخوف.

فالصحافة الحرة لا تعني أن نسمع ما نحب سماعه. قيمتها الحقيقية تظهر حين تذهب إلى الأماكن التي لا نريد النظر إليها، وحين تطرح الأسئلة التي تزعج السلطة والمجتمع، وربما تزعجنا نحن أيضًا.

لهذا أقرأ فوز ثلاثة صحفيين سوريين اليوم بفرح يتجاوز الجائزة.

لأننا ما زلنا بحاجة إلى من يحفظ ما يراد له أن يُنسى.

وإلى من يحذرنا، قبل فوات الأوان، مما لا ينبغي أن نصبحه.

مقالات للكاتب/ة