هل نترك صاحب العصا ان يحدد سقف حقوقنا؟

مقالة

منذ فترة وجيزة قرأت تقريراً أصدرته منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» حول الانتهاكات في سوريا، تحت عنوان: «سوريا: أدلة مقلقة على استمرار التعذيب وإعادة إنتاج آلة العنف بعد الأسد». يوثّق التقرير ممارسات داخل مراكز الاحتجاز، منها التعذيب الجسدي والجنسي، والاختفاء القسري، وحالات وفاة أثناء الاحتجاز. ولا يكتفي بتوثيق الانتهاكات، بل يحاول فهم الممارسات والظروف التي سمحت بعودتها.


كان التقرير صادماً. لكن ما صدمني أكثر كان محدودية رد فعل المجتمع تجاهه. كيف يمكن لتقرير بهذا الحجم أن يمرّ مرور الكرام؟ وكيف يمكن لمجتمع عاش عقوداً من الخوف والتعذيب، ودفع ثمناً هائلاً للخلاص منهما، أن يتعامل مع عودة هذه الممارسات بهذا القدر من الصمت؟


هذا السؤال أعاد ذاكرتي إلى الثمانينات، حين كنت طالباً إعدادياً نُجرّ بين الحين والآخر إلى مظاهرات. لا أذكر المناسبة، لكنني أذكر جيداً الشعارات، وأذكر الأساتذة يقودون المسيرة بالعصي، أشبه براعٍ يقود غنمه. كان كثير منا يحاول الهرب؛ منّا من نجح، ومنّا من قابلته العصي. لم تكن العصا تعاقب من حاول الهرب فقط؛ كانت أيضاً تعلّم المتفرج ما يحدث لمن يقول: لا. هذا الدرس الصغير لم يكن سوى فقرة صغيرة من منهاج ترسخ عبر السنين. في نفس المرحلة، كانت حماة تعيش واحدة من أكثر فصول القمع دموية في تاريخ سوريا. وفي بقية البلاد، كان الخوف يفرض دوره في المنظومة الاستبدادية: الصمت.


مع الوقت، صار الخوف شريكاً في قرارات الأفراد والجماعات على حد سواء. ضاقت مساحة التجربة والخطأ، ومعها مساحة الإبداع والمبادرة، فالخوف يضيّق مساحة الإبداع، ويدفع نحو التقليد لأنه أكثر أماناً. وحتى الطموح تعلّم قواعد اللعبة: من أراد التقدم أدرك أن طريقه كثيراً ما يمر عبر السلطة، وأن ما يُكافأ ليس الاعتراض أو الاختلاف، بل الولاء. فازدهرت الأغاني والقصائد والمجاملات التي تمجّد المستبد، بينما ضاقت المساحة أمام من يريد أن يجرّب أو يختلف أو يقول: لا.


هذا الخوف، الذي تراكم جيلاً بعد جيل، أرهقنا وضيّق قدرتنا على الثقة بأنفسنا وبالآخر. وهذا الطفل الذي تربى على العصا تعلم ان الصمت يجلب له السلامة حتى كاد خيار المطالبة يختفي من قاموسه. وتعلم أيضاً ان ما يسمح به صاحب العصا هو حدود حقوقه.


وهكذا أصبح الطفل نفسه حارساً لهذه المنظومة. تعلّم تداعيات أن يقول أحدهم: «لا». فبدلاً من أن يرى في المطالبة بالحقوق دفاعاً عن حريته هو أيضاً، أصبح يتضايق منها أو يخاف على صاحبها. فصوت الإعتراض يعيد إليه ذاكرة العصا. وحين يعاقب المجتمع المعترض، فليس ذلك بالضرورة لأنه راضٍ عن السلطة، بل لأنه يخاف من ثمن الاعتراض.
بدأت الثورة في آذار ٢٠١١ و تدريجياً بدأنا نكسر حاجز الصمت و نحارب الخوف.


في بدايات الثورة، بقيت شرائح واسعة من المجتمع مترددة أو صامتة. ليس بالضرورة حباً بالنظام، بل إدراكاً منها لما قد تكون عليه عواقب امتلاك صوت حر. اذكر عبارات انتشرت بتلك الحقبة “هذا النظام لا يهزم!” “بدكون تخربوا البلد؟!” كانت هذه العبارات تعبيراً عن خوف متراكم، وعن يأس من إمكانية التغيير. سقط النظام ولكن ليس قبل ان يخضع البلد و المجتمع إلى افظع الانتهاكات. الخوف من العصا لم يسقط مع سقوط النظام. فكما زرعته غريزة البقاء في العقود السابقة، فلن ينتزعه إلا الأمان الغير مشروط وبعد زمن. فعندما أقرأ تقرير منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة»، من الصعب ان لا أصاب بخيبة أمل.


بقايا هذا الخوف ما زالت ظاهرة في لغتنا اليومية: «بدكون يرجع بشار؟!» «أعطوهم فرصة!». حين يصبح الأسوأ هو معيارنا، ينخفض سقف ما نعتبره حقاً لنا. سقوط نظام الأسد فتح أمامنا فرصة لإعادة تعريف علاقتنا بالسلطة. والسؤال اليوم ليس فقط إن كان ما نعيشه أفضل مما كان، بل إن كان يقترب مما نستحقه. ما نقبل به اليوم قد يصبح معيار الغد. إما أن نرفع سقف ما نعتبره حقاً لنا، أو أن نعتاد من جديد على الإحتفال بالفتات وقبول ما يُعرض علينا.
إذا لم يكن الماضي هو معيارنا، فما المعيار؟ ربما علينا أن نعود إلى شيء أبسط: ما الذي يحق للإنسان أن يتوقعه لمجرد كونه إنساناً؟ حرية أن يعبّر، أن يعتقد، أن يختار، وأن يشارك من دون أن يعيش تحت تهديد العصا. هذه ليست مطالب استثنائية؛ بل جزء من المعايير التي راكمتها البشرية وعبّر عنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٤٨.


فهل تبقى حقبة الأسد هي المعيار الذي نقيس به ما نستحقه؟ أم نستطيع أن نبني معياراً يليق بتضحيات الأجيال التي مضت وبطموحات الأجيال القادمة؟

مقالات للكاتب/ة

المزيد من المقالات