تأثر العرب في القرن الماضي بالقومية العربية، فعندما نسأل أي عربي عن أكثر الرؤساء العرب تأثيرًا في الساحة السياسية فسوف يذكر، جمال عبدالناصر، صدام حسين، حافظ الأسد، معمر القذافي، هواري بومدين… إلخ، مع أن الموجة كانت القومية إلا أن هناك رئيس اختلف عن باقي الرؤساء الذي ذكرتهم.
الرئيس الذي أتكلم عنه اليوم هو من أمن بالإنسان قبل كل شيء. في لبنان الذي يعتبر من أكثر البلدان تنوعًا إثنيًا، لذلك يجب على أن يحكمه أن يكون ليبرالي بعيد عن الطائفية والقومية بل، كان الرئيس المناسب في المكان المناسب “الرئيس كميل شمعون”
يعتبر الرئيس كميل نمر شمعون هو ثاني رئيس للجمهورية اللبنانية بعد الاستقلال، وحكم البلاد في الفترة بين عامي 1952 و1958، وعُرف بأفكاره الليبرالية وانفتاحه الثقافي والاقتصادي على الدول الغربية، بينما باقي تتجه نحو المعسكر الشرقي الذي سقط في عام ١٩٩١ أمام الليبرالية الرأسمالية.
الميلاد والعائلة:
ولد الرئيس كميل نمر شمعون في دير القمر ٣/ ٤ /١٩٠٠ وتوفي ٧/ ٨ /١٩٨٧. عائلته متواضعة فالوالد نمر شمعون، موظف في الدولة ومن أهالي دير القمر. أما الوالد أنطوانيت أديب نعمة، وهي شقيقة أوغست باشا أديب (رئيس أول حكومة في دولة لبنان الكبير المنتدب).
وُلِد كميل شمعون في عائلة تضم خمسة ذكور هم: جوزف، كميل، فؤاد، شارل، وإميل.
تزوج لاحقاً من زيلدا تقي الدين، وأنجب منها ولديه، دوري وداني اللذين تعاقبا على رئاسة حزب الوطنيين الأحرار الذي أسسه والدهما في عام ١٩٥٨ بعد خروجه من الرئاسة.
التعليم:
تلقى دروسه الأولية في مدرسة الأخوة المريميين، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف، وتخرج سنة 1923، ثم تدرج في العمل القانوني في مكتب إميل إده للمحاماة، وإميل إده الرئيس الثالث للجمهورية اللبنانية بعد الرئيس كميل شمعون.
المسيرة السياسية:
كان الرئيس كميل شمعون من السياسيين المخضرمين على الساحة اللبنانية، لذلك تبوأ عدة مناصب حكومية ونيابية قبل أن يُصبح رئيسًا للبنان عام 1952. ترشح سنة 1934 لمجلس النواب، وفاز في الدورة الأولى نائباً عن جبل لبنان، وأعيد انتخابه في دورات 1937، 1943، 1947، 1951، 1960، 1968، 1972 واستمر نائباً بحكم التمديد للمجلس النيابي حتى وفاته.
في مارس/ آذار سنة 1938، عين وزيراً للمالية، في حكومة خالد شهاب، ووزيراً للداخلية، والبريد والبرق في سبتمبر/ أيلول سنة 1943، في حكومة رياض الصلح، ووزيراً للمالية، في ديسمبر/ كانون الأول سنة 1946، في حكومة رياض الصلح، ووزيراً للداخلية، والصحة العامة، في يونيو/ حزيران 1947، في حكومة رياض الصلح حتى 19 مايو/ أيار 1948.
هذا في الوقت الذي تم تعيينه وزيرًا مفوضًا للبنان لدى بريطانيا في عام 1944، وخلال عامي 1945-1946 رأَّس الوفد اللبناني إلى مؤتمر الطاولة المستديرة في لندن لمناقشة القضية الفلسطينية، وفي عام 1948 مثَّل لبنان لدى هيئة الأمم المتحدة في نيويورك.
الرئاسة:
أعاد الرئيس كميل شمعون تنظيم الدوائر الحكومية سعيًا لتحقيق إدارة أكثر كفاءة، واتسم نظامه في بعض جوانبه بالديمقراطية حيث تمتعت الصحافة والأحزاب السياسية المتنافسة بمستويات أعلى من الحرية إلا أن الحياة السياسية اللبنانية ظلت موجهة لخدمة مصالح خاصة.
وخلال فترة حكمه واجه شمعون أزمة عام 1956 عندما طالبه بعض حكام الدول العربية بقطع العلاقات مع بريطانيا وفرنسا بعد العدوان الثلاثي على مصر، لكنه رفض وعين وزيرًا للخارجية مواليًا للغرب.
وفي مايو 1958، تعرض لبنان لأزمة سياسية مع تمرد عدد من الجماعات المسلحة بسبب اغتيال الصحفي المعارض نسيب المتني، حملت المعارضة (المكونة من شخصيات وقوى إسلامية وقومية) السلاح وأقامت المتاريس في بيروت ومدن أخرى مثل طرابلس، واتهم الحكمُ الجمهورية العربية المتحدة بتهريب السلاح عبر سوريا. فطلب شمعون المساعدة من الولايات المتحدة وتم نشر قوات مشاة من البحرية الأميركية بالقرب من بيروت في يوليو/ تموز 1958.
وأثناء أزمة 1958، طلب شمعون من إسحق رابين قائد الجبهة الشمالية في جيش الاحتلال الإسرائيلي تأمين 500 بندقية هجومية لمواجهة التمرد المسلح.
بسبب التمرد وحياد الجيش اللبناني، انتهى حكم الرئيس كميل شمعون وانتخاب الرئيس فؤاد شهاب.
سياسيات الرئيس كميل شمعون:
تميز عهد الرئيس اللبناني كميل شمعون (1952 – 1958) بنهضة شاملة وانفتاح واسع على المستويات كافة، ويُعتبر عهده “العصر الذهبي” للبنان.
فالسياسة الاقتصادية والمالية تعتبر الأفضل على مستوى بلدان المنطقة بتبني سياسات اقتصادية ليبرالية منفتحة، جعلت من لبنان مركزاً مالياً ريادياً في الشرق الأوسط.
- إدارة الدولة: أعاد تنظيم الدوائر الحكومية لرفع كفاءة الإدارة، مع الحفاظ على هامش واسع من حرية الصحافة والعمل الحزبي.
السياسة الثقافية والتربوية
- تأسيس المؤسسات: أنشأ الجامعة اللبنانية، وأسس دار المعلمين وتجمع المدارس المهنية في الدكانة.
- الإعلام والفنون: استحدث الإذاعة اللبنانية، وأطلق تلفزيون لبنان والمشرق، وأسس مهرجانات بعلبك الدولية، وكازينو لبنان، وساهم في إبراز المعالم السياحية مثل مغارة جعيتا.
- الاقتصاد الحر: اعتمد سياسة اقتصادية حرة تجذب الرأسماليين والاستثمارات الأجنبية والمحلية من دون احتكار.
استقطب القطاع المصرفي اللبناني أموالاً ضخمة هاربة من موجات التأميم والاضطرابات السياسية والاشتراكية التي شهدتها دول عربية مجاورة كمصر والعراق وسوريا.
تحديث البنية التحتية: أنشأ مطار بيروت الدولي في خلدة مع السوق الحرة، وشيّد الطرقات وشبكات الاتصالات الهاتفية اللاسلكية.
أبرز المرافق العامة التي بنيت في عهده:
- المؤسسات المالية:
إنشاء مصرف لبنان، وتأسيس مصلحة الضمان الاجتماعي ومجلس الإنعاش الاجتماعي والاقتصادي.
- المرافق الرياضية والثقافية:
مدينة كميل شمعون الرياضية، إطلاق مهرجانات بعلبك الدولية.
- المرافق العامة والبنى التحتية:
بناء مطار بيروت الدولي، القصر الجمهوري في بعبدا، سرايا طرابلس وقصر العدل، ومرفأ طرابلس.
- المؤسسات الاقتصادية والمالية:
إنشاء مصرف لبنان، وتأسيس مصلحة الضمان الاجتماعي ومجلس الإنعاش الاجتماعي والاقتصادي.
- المشاريع الحيوية والطاقة:
إنشاء معمل الذوق الحراري لإنتاج الكهرباء، وتطوير محطة قاديشا، ومشاريع سد القرعون ونهر الليطاني.
- التعليم والثقافة والإعلام:
تأسيس الجامعة اللبنانية، دار المعلمين، تجمع المدارس المهنية في الدكوانة، وإطلاق الإذاعة اللبنانية وتلفزيون لبنان والمشرق.
- القطاع الصحي:
بناء مستشفى صيدا الحكومي ومستشفى بعبدا الحكومي وعشرات المستوصفات.
- دعم النقد:
حافظ على قوة ومتانة الليرة اللبنانية واستقرارها المالي.
- السياسات المصرفية وذلك بإقرار قانون السرية المصرفية (1956):
صدر في 3 أيلول 1956، وأعدّه النائب ريمون إده ووقّعه الرئيس شمعون دون تعديلات، ليضمن سرية الحسابات المطلقة ويحميها من أي حجز قضائي أو إداري إلا بموافقة خطية من أصحابها.
- القطاعان الزراعي والصناعي:
شجع الصناعات الوطنية ودعم المزارعين بالقروض والآليات الحديثة لمكافحة استغلال المرابين.
- تحويل لبنان إلى “سويسرا الشرق”:
أسهمت هذه السياسات في خلق ثقة عالية بالائتمان المصرفي وتشجيع الاستثمار الحر، مما أدى إلى نمو اقتصادي ومالي غير مسبوق.
السياسات الاجتماعية:
- مكافحة الفقر والبطالة:
سعى في خطاب القسم لتوفير الحماية الاجتماعية ضد الفقر والمرض والبطالة ورفع مستوى المعيشة للمواطنين.
- الإنماء المتوازن:
أطلق مشاريع تعمير شملت مختلف المناطق اللبنانية، وإنشاء مؤسسات عامة لتوفير الخدمات الأساسية مثل مصلحة الكهرباء والنقل العام.
السياسة الداخلية والخارجية (السياسية).
السياسات الخارجية:
- الانفتاح الخارجي:
ربط لبنان بعلاقات دولية واسعة وفتح بواباته على العالم الغربي والعربي بحضور دبلوماسي بارز.
- التقارب والأزمات:
اتسم عهده بالاستقلال في القرار الوطني، ومواجهة التيارات القومية العارمة في المنطقة (مثل الناصرية) والتي أدت إلى أزمة عام 1958 السياسية والأمنية.
بعد الرئاسة:
في يوليو/ تموز سنة 1975، عُين كميل شمعون وزيراً للداخلية وللبريد والبرق والهاتف وللموارد المائية والكهربائية، في حكومة رشيد كرامي، وفي سبتمبر/ أيلول سنة 1976، تسلم شمعون حقائب وزارات الداخلية، والخارجية والمغتربين، والدفاع الوطني، مع نيابة رئاسة مجلس الوزراء، وذلك في حكومة رشيد كرامي في عهد الرئيس سليمان فرنجيّة.
وفي إبريل/ نيسان سنة 1984، عين وزيراً للمال والاسكان والتعاونيات، في حكومة الرئيس رشيد كرامي، وظل في هذا المنصب حتى تاريخ وفاته في 7 أغسطس/ آب 1987، في بيروت عن عمر ناهز 87 عامًا.
مؤلفات كميل شمعون:
نشر شمعون عدداً من الكتب من بينها: مراحل الاستقلال، أزمة في لبنان (1977)، أزمة في الشرق الأوسط، ومذكرات وذكريات (1979).
المراجع:
ويكيبيديا عربية
الجزيرة نيت
العربي جديد
حزب القوات اللبنانية




