اكتفاء سوريا من القمح: إنجاز حكومي أم دعاية سياسية؟

أعلنت إدارة مؤسسة الحبوب السورية في شهر تموز/يوليو المنصرم عن أن سوريا قد حققت الاكتفاء الذاتي من القمح لأول مرة منذ سنوات، وذلك بعد أن استلمت مديريات المؤسسة في المحافظات ما مجموعه 2.7 مليون طن من القمح. بعد هذا الإعلان نشرت العشرات من المقالات والتقارير وتداولت نشرات الأخبار والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي هذا الخبر بوصفه إنجازا جديدا يضاف إلى قائمة الإنجازات الحكومية، كيف لا، والخبز هو المادة الرئيسية على موائد السوريين، والإعلان عن الاكتفاء الذاتي من القمح جاء بعد سنوات من مشكلات وأزمات في شح المادة وصعوبة استيرادها، وتاليا يصبح الحديث عن إنجاز معقولا، لكن ما حدث أن أصواتا كثيرة قد خرجت وهي تحمل شكوكا وأسئلة عن مدى دقة الخبر المعلن عن تحقيق الاكتفاء الذاتي في سوريا من مادة القمح، وكما في معظم المسائل الأخرى تغيب الشفافية عن المؤسسات السورية إذ لا توضيح ولا إجابات حتى عن أمور على هذا المستوى من الأهمية.
تأتي هذه المادة محاولة للإجابة عن السؤال إياه: هل حققت سوريا فعلا الاكتفاء الذاتي من القمح في عام 2026؟

ما معنى أن تكون سوريا مكتفية ذاتيا من القمح؟
لنبدأ من المفهوم الأساسي؛ أن تكون سوريا مكتفية ذاتيا من القمح يعني أن الإنتاج المحلي من القمح يغطي كافة احتياجات البلاد منه دون الحاجة إلى الاستيراد، وهنا نتحدث عن الاكتفاء الذاتي الكامل، وليس النسبي، وصيغته الاقتصادية هي: الإنتاج المحلي ÷ الاستهلاك المحلي × 100.
السؤال الآن: ما هي حاجة سوريا السنوية من القمح؟ يوحي إعلان مؤسسة الحبوب بأن الـ2.7 مليون طن من القمح هي الكمية الكافية لتلبية احتياج سوريا من القمح إلا أن أرقام إنتاج القمح والدقيق والخبز بين عامي 2005 وحتى عام 2011 تظهر بأن إنتاج سوريا من مادة الخبز فقط يتراوح ما بين 3.4 و3.7 ملايين طن وذلك بين عامي 2005 و2008، وأنها قد ارتفعت إلى حدود 4.3 ملايين طن سنويا منذ عام 2009، وأن كمية الخبز هذه تحتاج بالحد الأدنى إلى نحو 2.5 مليون طن من القمح سنويا؛ إذا فهل إعلان المؤسسة السورية للحبوب عن الاكتفاء الذاتي لسوريا من القمح يتطابق حسابيا مع حاجة سوريا لإنتاج كميات الخبز اللازمة سنويا؟ في الحقيقة لا يمكن التحقق من ذلك ما لم تحدد نوعية القمح المنتج، فإنتاج الخبز السوري يحتاج إلى نسبة مرتفعة من القمح الطري، في حين أن سوريا تنتج كميات كبيرة من القمح القاسي والذي يستخدم بنسبة منخفضة في إنتاج مادة الخبز، وهو ما يظهر في بيانات التجارة الخارجية لسوريا من القمح بين عامي 2005 و2011، ففي حين كان متوسط إنتاج سوريا من القمح قد تجاوز 4 ملايين طن سنويا في تلك الفترة، فإن متوسط استيرادها من القمح الطري قد بلغ أكثر من 650 ألف طن سنويا مقابل تصديرها لنحو 360 ألف طن من القمح القاسي في الفترة ذاتها، وهذا ما يكشف أن إنتاج القمح وتجارته الخارجية كانا يتوزعان بحسب نوع القمح واستخدامه، أي لا يمكن اختزال مدى الاكتفاء الذاتي من المادة بالحجم الإجمالي من إنتاج القمح. وبالتالي حتى في الفترة المذكورة لم يكن من الدقة القول بأن سوريا كانت مكتفية ذاتيا من القمح بنسبة 100%.
المشكلة الأخرى في هذا الإعلان هي في أنه تجاهل مقدار الهدر والتلف أثناء النقل والتخزين وتحويل هذا القمح إلى طحين الخبز، كما تجاهل حاجة الأراضي المراد إعادة زراعتها بالقمح إلى البذار التي يخصص جزء منها من محصول القمح ذاته، مع إغفاله للكميات الواجب تخزينها ضمن المخازن الاستراتيجية للقمح للتعامل مع حالات الطوارئ.


يضاف إلى كل ما سبق أن استخدام تعبير الاكتفاء الذاتي غير متحقق، حتى إذا سلمنا بأن المقصود بالاكتفاء الذاتي محصور بإنتاج احتياجات سوريا من الخبز سنويا فقط، وأن الكميات التي استلمتها المؤسسة السورية للحبوب كافية تماما لتلبية احتياجات السوريين والسوريات من مادة الخبز وإعادة إنتاج نفس الكمية من القمح للموسم القادم؛ فإن الإعلان عن الاكتفاء الذاتي من مادة ما يتطلب -كما أشرنا سابقا- إلى تلبية كافة احتياجات البلاد من المادة، وفي حالة القمح في سوريا، فإن الأمر لا يقتصر على الخبز فقط، إذ إن حاجة سوريا من القمح تتطلب كميات إضافية لإنتاج الكثير من السلع التي يعد القمح فيها عنصرا رئيسيا أو يكاد يكون وحيدا في إنتاجها، من أهمها: الفريكة والبرغل والسميد والمعكرونة، إلى جانب استخدام القمح كأحد المدخلات الرئيسية في إنتاج البسكويت والمعجنات والحلويات والمنتجات الأخرى التي تدعم الإنتاج الحرفي والصناعي المحليين وتعزز من الميزان التجاري السوري.


بناءً على ما سبق، لا يمكن التسليم بصحة إعلان المؤسسة السورية للحبوب عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح لموسم 2026 فالإعلان يقول بأن الكميات المستلمة من القمح (2.7 مليون طن) = الاكتفاء الذاتي منه، دون أن تكشف بصورة واضحة إجمالي احتياجات البلاد من القمح بما فيها كميات البذار والفاقد والاحتياجات الأخرى من المادة في الصناعات الغذائية والزراعية، هذا بالإضافة إلى ضرورة الأخذ بحالة المخزون الاستراتيجي من القمح بعين الاعتبار، وهو ما يجعل الإعلان، بصيغته المعلنة، يفتقر إلى الشفافية والدقة اللازمة في التعامل مع قضية ترتبط بلقمة عيش السوريين والسوريات بالمعنى الحرفي للكلمة.


أما تقديم هذا الإعلان بوصفه دليلا على نجاح السياسات الزراعية للحكومة، فهو يحتاج بدوره إلى قدر أكبر من الحذر، إذ لا تكفي زيادة الإنتاج خلال موسم واحد لإثبات نجاح سياسة زراعية مستدامة، سيما وأنه ترافق مع تحسن ملحوظ في الظروف المطرية خلال الموسم، وجاء بعد موسمين شهدا تراجعاً ملحوظا في الإنتاج. أي أن التحسن في الكميات المنتجة قد يكون مرتبطاً بتحسن الظروف المناخية أو على الأقل هو اقل ارتباطاً بالسياسات الحكومية الحالية، وما يدل على ذلك هو أن سوريا قد عرفت بالفعل إنتاجا من القمح تجاوز 3 ملايين طن في عام 2023 من دون أن يتحول ذلك إلى اكتفاء ذاتي، وهو ما يؤكد أن وصول حجم محصول القمح إلى حد معين لا يكفي للإعلان عن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي ما لم تكن احتياجات البلاد من كافة استخدامات القمح وإعادة إنتاج الموسم قد درست بشكل دقيق ووضعت أمام السوريين والسوريات بصورة واضحة.
وفي المحصلة، وبدلاً من أن يكون إعلان مؤسسة الحبوب عن الاكتفاء الذاتي بياناً للسوريين والسوريات بيانا توضيحيا عن وأحدة من اهم السلع الغذائية والمحاصيل الزراعية في البلاد، فإن ما حصل هو أن الإعلان قد تحول إلى دعاية سياسية كشفت الأرقام عدم صحتها.

مقالات للكاتب/ة

المزيد من المقالات