في بداية الثورة السورية كان كثير منا يعتقد أن المشكلة تكمن في النظام وحده وأن سقوطه سيكون كفيلا بإنهاء الاستبداد وفتح الباب أمام دولة الحرية والعدالة. لكن السنوات علمتنا أن المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم بل في العقلية التي تبرر الخطأ عندما يصدر ممن نؤيده وتستنكره فقط عندما يصدر ممن نعارضه.
اليوم وبينما تتكرر ممارسات يعتقد كثير من السوريين أنها تشبه الأسباب التي دفعت إلى الثورة يبرز سؤال مهم: لماذا لا يرى بعض زملائنا وأصدقائنا السابقين ما يحدث؟ ولماذا يدافع بعضهم عن ممارسات كانوا يعتبرونها جرائم قبل سنوات؟
السبب الأول هو الانتصار العاطفي
فمن عاش سنوات طويلة يحلم بسقوط النظام السابق قد يجد صعوبة في تقبل أن السلطة الجديدة يمكن أن تقع في الأخطاء نفسها الاعتراف بذلك يبدو وكأنه انتقاص من التضحيات أو اعتراف بأن الحلم لم يتحقق كما كان يتمنى.
وهناك أيضا الخوف فالبعض يخشى أن يؤدي أي نقد إلى إضعاف السلطة الجديدة أو إلى عودة الماضي فيختار الصمت أو التبرير معتقدا أن التغاضي عن الأخطاء هو ثمن لا بد منه للحفاظ على الاستقرار.
لكن الأخطر من ذلك هو انتقال الولاء من المبادئ إلى الأشخاص فبدلا من أن يكون معيارنا هو الحرية والعدالة وسيادة القانون يصبح معيارنا هو من ارتكب الفعل فإذا اعتقل خصمنا قلنا إنها جريمة وإذا اعتقل حليفنا قلنا إنها ضرورة وإذا احتكر خصمنا السلطة قلنا إنه مستبد أما إذا فعلها من نؤيده بحثنا له عن الأعذار عند هذه اللحظة لا تكون المبادئ قد انتصرت بل تكون قد انهزمت.
ولا يمكن تجاهل عامل المصالح الشخصية فالتاريخ يعلمنا أن السلطة لا تغير الدول فقط بل تغير كثيرا من الناس أيضا فمن حصل على منصب أو أصبح صاحب نفوذ أو ارتبطت مصالحه باستمرار الوضع القائم قد يجد نفسه يدافع عن السلطة لأنها أصبحت مصدر مكانته أو نفوذه أو مكاسبه وليس المقصود هنا أن كل من تولى منصبا فقد استقلاله لكن من الطبيعي أن تصبح القدرة على النقد أصعب عندما تتداخل المبادئ مع المصالح.
وهناك أيضا من يرى في أي انتقاد تهديدا لمكانته الاجتماعية فمن أصبح وجها إعلاميا أو مسؤولا أو مقربا من دوائر القرار قد يشعر أن الاعتراف بالأخطاء يضعف صورته أمام الناس فيفضل الدفاع عن كل قرار حتى وإن كان يخالف ما كان يؤمن به سابقا.
ومن الأسباب المهمة أيضا التنافر المعرفي فالإنسان بطبيعته يرفض الاعتراف بأنه ربما أخطأ في تقدير الأشخاص أو الأحداث لذلك يحاول تفسير الوقائع بطريقة تحافظ على قناعاته السابقة حتى لو اضطر إلى تجاهل حقائق واضحة أو تبريرها.
كما أن الاستقطاب الحاد يلعب دورا كبيرا فعندما يصبح المجتمع منقسما إلى معسكرين يتحول النقد إلى خيانة ويصبح السؤال عن الأخطاء جريمة بينما تتحول الطاعة إلى فضيلة وهنا تموت السياسة ويبدأ التصفيق.
لكن أخطر ما في الأمر كله هو ازدواجية المعايير فالثورة لم تقم لأن المستبد كان يحمل اسما معينا بل لأنها رفضت الاعتقال التعسفي والتعذيب واحتكار السلطة والفساد وغياب المحاسبة فإذا قبلنا هذه الممارسات اليوم لأنها تصدر عن جهة نؤيدها فإننا لا نحمي الثورة بل نهدم قيمها بأيدينا.
ليس المطلوب أن يعارض الجميع السلطة وليس المطلوب أن يتفق السوريون على كل شيء. المطلوب فقط أن تبقى المبادئ ثابتة أن يكون الاعتقال التعسفي مرفوضا مهما كان الضحية وأن يكون التعذيب جريمة مهما كان الجلاد وأن يكون احتكار السلطة خطرا مهما كان الحاكم.
فالاستبداد لا يغير حقيقته بتغير الشعارات والظلم لا يصبح عدلا لأن من يمارسه كان ضحية بالأمس.
ولعل السؤال الذي يجب أن يطرحه كل واحد منا على نفسه ليس: “هل أدافع عن السلطة؟” بل: “هل ما زلت أدافع عن المبادئ التي خرجت من أجلها الثورة؟”
لأن الأوطان تضيع عندما تصبح المصالح الشخصية أعلى من المبادئ وعندما يصبح الولاء للأشخاص أهم من الولاء للحقيقة.





