متل اليوم 1 ايار 1949 تاسيس الحزب التقدمي الاشتراكي

مقالة

عندما أعلن كمال جنبلاط تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي في لبنان، لم يكن يؤسس حزباً طائفياً تقليدياً بقدر ما كان يحاول تقديم مشروع فكري وسياسي جديد داخل مجتمع شديد التعقيد والانقسام. فرغم أن الحزب نشأ في بيئة درزية، إلا أنه تبنى مبادئ العلمانية والاشتراكية، في محاولة لتجاوز الانقسامات الطائفية وبناء رؤية اجتماعية وسياسية أكثر اتساعاً.

ينتمي كمال جنبلاط إلى عائلة إقطاعية ثرية تعود أصولها إلى أكراد جنوب الأناضول، وكانت تعرف باسم «جنبولاذ». وقد استقرت العائلة في لبنان منذ أكثر من ثلاثة قرون بعد قدومها من منطقة كلس، واعتنقت المذهب الدرزي المتفرع عن الإسماعيلية الفاطمية خلال فترة الحاكم بأمر الله.

امتلك جنبلاط ثقافة واسعة ومتعددة المشارب. تلقى تعليمه الأولي في مدرسة اللعازارية في عينطورة، ثم سافر إلى باريس عام 1936 حيث درس الأدب والفلسفة في جامعة السوربون. غير أن والدته نظيرة جنبلاط استدعته إلى لبنان عام 1938، فالتحق بكلية الحقوق في جامعة القديس يوسف، وتخرج منها سنة 1942، ليمارس المحاماة لاحقاً إلى جانب اهتمامه العميق بالأدب والفلسفة والتأمل الفكري.

دخل الحياة السياسية مبكراً، فانتخب نائباً في البرلمان اللبناني عام 1943 مستفيداً من زعامته الدرزية في الجبل، وأعيد انتخابه في أعوام 1947 و1953. إلا أنه خسر الانتخابات عام 1957 بسبب معارضته للرئيس كميل شمعون، قبل أن يعود لاحقاً إلى البرلمان ويستمر نائباً حتى وفاته، كما تولى عدداً من الحقائب الوزارية.

أما الحزب التقدمي الاشتراكي، فقد استلهم مبادئه من خليط فكري متنوع. فقد تأثر جنبلاط بالاشتراكية الأوروبية والديمقراطية الاجتماعية، لكنه أضفى عليها بُعداً أخلاقياً وروحياً استمده من قراءاته للفلسفات والديانات الشرقية، كالهندوسية والبوذية، إضافة إلى الفكر الديني الأوروبي. وهكذا لم يكن الحزب مجرد إطار سياسي تقليدي، بل مشروعاً حاول الجمع بين الإصلاح الاجتماعي والبعد الإنساني والروحاني.

وقبل تأسيس الحزب، كان جنبلاط قد اتخذ خطوات اجتماعية لافتة حين عمد إلى توزيع جزء من أراضيه على الفلاحين، متجاهلاً اعتراضات والدته، الأمر الذي عزز حضوره الشعبي في منطقة الجبل، وجعله مقرباً من الفلاحين والمثقفين ورجال الفكر.

ارتبط الحزب إلى حد بعيد بشخصية جنبلاط، فتمتع الرجل بنفوذ واسع داخل بنيته التنظيمية، ومارس دوراً محورياً في تعيين الكوادر وتحديد الاتجاهات السياسية. ومع ذلك، لم ينظر إلى الحزب بوصفه مجرد وسيلة للوصول إلى البرلمان أو الحكومة، بل اعتبره أداة لإحداث إصلاح اجتماعي وثقافي طويل الأمد، عبر المؤتمرات والمهرجانات والنشاط الفكري والسياسي.

كان جنبلاط يرى أن الفرد هو محور الاهتمام في كل تنظيم اجتماعي أو سياسي، وأن المجتمع ليس سوى وسيلة تسمح للإنسان بالنمو والتطور. ومن هنا شدد على أن الديمقراطية شرط أساسي لأي مشروع إصلاحي، وأن الاشتراكية ليست سلطة قهرية، بل وسيلة لتصحيح الاختلالات الاجتماعية وتحقيق قدر أكبر من العدالة.

ورغم طابعه الفكري التقدمي، لم ينفصل الحزب عن البيئة التقليدية التي خرج منها. فقد استطاع جنبلاط أن يحوّل الزعامة الجنبلاطية من إطارها الطائفي المحلي إلى مشروع سياسي أوسع، من دون أن يتخلى بالكامل عن دورها التقليدي داخل المجتمع الدرزي. ولهذا بقيت الزعامة الجنبلاطية واحدة من أكثر التجارب السياسية فرادة في لبنان، إذ استطاعت أقلية عددية أن تؤثر بعمق في الحياة السياسية اللبنانية.

مع مرور الوقت، تحولت أفكار الحزب إلى مشروع تغييري واسع. شارك جنبلاط في انتفاضة عام 1958 رافعاً شعار تغيير الأنظمة القديمة واستبدالها بأنظمة أكثر عدالة. كما تجاوز الإطار اللبناني الضيق باتجاه الفضاء العربي الأوسع، فدعم الوحدة العربية وأيّد قيام الوحدة بين مصر وسوريا، وإن لم يدعُ إلى انضمام لبنان إليها.

ويروي فتحي عباس خلف مهنا في كتابه «نشأة الحزب التقدمي الاشتراكي» أن جنبلاط، خلال وجوده في قصر الضيافة بدمشق، قال لجمال عبد الناصر: «لو استطاع لبنان أن يزحف بجباله للترحيب بك في دمشق لما تأخر».

ناصر جنبلاط الفكر العروبي، وأيد انقلاب الثامن من آذار في سوريا باعتباره خطوة نحو إعادة مشروع الوحدة العربية. كما وقف إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية، خصوصاً بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، ساعياً إلى إعادة صياغة النظام السياسي اللبناني وإنهاء ما اعتبره هيمنة «المارونية السياسية» على بنية الدولة.

بعد انتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان عقب أحداث أيلول الأسود عام 1970، وجدت الفصائل الفلسطينية في جنبلاط غطاءً سياسياً لبنانياً تقليدياً يصعب إيجاد بديل له. وهكذا أصبح المظلة السياسية للحركة الوطنية اللبنانية والأحزاب اليسارية والمنظمات الفلسطينية في آن واحد.

خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، خاض جنبلاط المواجهة السياسية والعسكرية إلى جانب ياسر عرفات والحركة الوطنية اللبنانية، محاولاً فرض إصلاحات سياسية واسعة تستند إلى برنامج ديمقراطي جديد. واستفاد من التقدم العسكري الذي تحقق في السنة الأولى للحرب لمحاولة إعادة تشكيل التركيبة السياسية اللبنانية.

لكن دخول سوريا على خط الأزمة اللبنانية غيّر مسار الأحداث. فقد دعم حافظ الأسد الوثيقة الدستورية التي طرحها الرئيس سليمان فرنجية، والتي لم تكن تلبي طموحات جنبلاط الإصلاحية، ما أدى إلى نشوء خلاف حاد بين الرجلين.

ويقول وليد جنبلاط، نقلاً عن كتاب للرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران بعنوان «النحلة والمهندس»، إن الخلاف بين حافظ الأسد وكمال جنبلاط كان صداماً متوقعاً بين شخصيتين تنتميان إلى بيئتين أقليتين وتحملان رؤيتين مختلفتين للسلطة والدولة.

في كتابه “السلام المفقود” يروي كريم بقرادوني أنه “في 26 تشرين الثاني 1976، عاد وزير خارجية لبنان فؤاد بطرس من دمشق، بعد لقاء الرئيس السوري حافظ الأسد، موفداً من رئيس الجمهورية اللبنانية الجديد الياس سركيس، والهدف استطلاع موقف الأسد من عملية تشكيل الحكومة الأولى وانطلاق العهد الجديد ونقل بطرس إلى سركيس أن الأسد أبدى موقفاً صارماً تجاه كمال جنبلاط ونصح بالعدول عن إحياء التجربة الشهابية التي “مر عليها الزمن” قائلاً: “إنكم لا تستطيعون العودة إلى الوراء، انظروا إلى المستقبل… يجب أن تعلموا أن كمال جنبلاط هو سبب الأزمة في لبنان والمنطقة، لقد تآمر على أمن لبنان وسوريا، ولو أنه انتصر لما كان رحم أحداً، إنه يحاول الآن إعادة علاقته معنا ولكننا نرفضها، لقد عزلناه وأوصدنا كل الأبواب بوجهه، فهل تريدون فتحها من جديد؟ بوجود كمال جنبلاط لن يرتاح أحد، لا لبنان ولا سوريا ولا الرئيس سركيس نفسه، جنبلاط قد انتهى ويجب أن ينتهي”. ولما سأل بطرس الأسد عما إذا كان يريد القضاء على جنبلاط قال له الأسد إنه لا يريد القضاء عليه جسدياً، بل سياسياً لأنه لا يؤمن بالاغتيال السياسي، وأن جنبلاط يجب أن يعود مواطناً عادياً”.

في 16 آذار/مارس 1977، اغتيل كمال جنبلاط في لحظة كانت تنذر بتحولات كبرى في لبنان والمنطقة. ومع رحيله، انتقلت زعامة الحزب إلى نجله وليد جنبلاط، الذي قاد الحزب وميليشياته خلال مراحل طويلة من الحرب الأهلية اللبنانية، حتى انتهائها باتفاق الطائف.

باغتيال كمال جنبلاط، لم تنتهِ فقط حياة زعيم سياسي، بل أُغلقت صفحة من أكثر التجارب الفكرية والسياسية تعقيداً وفرادة في تاريخ لبنان الحديث.

مراجع

عرب معاصرون ادوار القادة في السياسة ل مجيد خدوري
نظيرة جنبلاط و دورها السياسي في لبنان ل د محمود صالح سعيد
مقابلة ل وليد جنبلاط مع احمد منصور
مقالة لجريدة السفير اللبنانية بعنوان خمسينية الحزب التقدمي الاشتراكي
مقالة ل شيرين الفايدي بعنوان “من قتل كمال جنبلاط”؟ سؤال معروف جوابه وسر يعلمه الجميع
نشاة الحزب التقدمي الاشتراكي ل فتحي عباس خلف مهنا
السلام المفقود ل كريم بقردوني

مقالات للكاتب/ة

المزيد من المقالات