أخيراً، بعد سنوات من التوثيق والصمت الثقيل، أعلنت وزارة الداخلية في الحكومة السورية الانتقالية اعتقال أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن بدمشق عام 2013.
بالنسبة لكثير من السوريات والسوريين، لا يبدو الخبر مجرد إجراء أمني، بل لحظة طال انتظارها، لحظة تفتح باباً على سؤال أكبر: هل يمكن أن يبدأ مسار العدالة الانتقالية فعلاً الآن؟
جريمة لا تُنسى
في ذلك العام، اقتيد عشرات المدنيين، معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي، إلى حفرة في أحد أحياء دمشق وهو حي التضامن. أُطلق عليهم الرصاص واحداً تلو الآخر، ثم أُحرقت جثثهم. لكن ما جعل هذه الجريمة مختلفة عن غيرها لم يكن حجمها فقط، بل توثيقها. الفيديو الذي صوّره الجناة أنفسهم بقي لسنوات دليلاً صامتاً، قبل أن يتحول إلى مادة تحقيق دولي أعادت القضية إلى الواجهة وكشفت أسماء المتورطين.. فبرز اسم أمجد يوسف الذي ارتبط اسمه مع مجزرة التضامن.
حيث كشف الفيديو عن المجزرة التي وقعت في جزء داخلي من حيّ التضامن (جنوب العاصمة)، في زقاق ضيّق وغير معبّد تحيط به أبنية سكنية متلاصقة، ما يجعل المكان شبه معزول بصرياً عن الشوارع الرئيسية. وينتهي الزقاق بحفرة ترابية عميقة نسبياً، كانت تُستخدم سابقاً كموقع ردم أو حفر كما يبدو، قبل أن تتحول إلى مسرح للإعدامات.
يُظهر الفيديو المسرب أن الضحايا كانوا يُقادون فرادى أو في مجموعات صغيرة عبر هذا الممر الضيق، في مسار محدد ينتهي عند حافة الحفرة، حيث كان أحد العناصر يدفعهم إلى الداخل قبل إطلاق النار عليهم من مسافة قريبة. هذا الترتيب المكاني القائم على ممر إجباري ينتهي بنقطة قتل، يعكس طبيعة منظمة للعملية، وليس سلوكاً عشوائياً.
كما أن اختيار الموقع لم يكن اعتباطياً، فالمكان محاط بجدران مرتفعة نسبياً، ما يحدّ من الرؤية ويخفف من احتمال تسرب الصوت، إضافة إلى أن الحفرة نفسها وفّرت وسيلة سريعة للتخلص من الجثث. لاحقاً، أُضرمت النيران داخلها، في محاولة واضحة لمحو الأدلة.
بعد سقوط نظام بشار الأسد، عاد اسم التضامن إلى الواجهة، ليس كمنطقة سكنية فقط، بل كأحد أهم مواقع الذاكرة في سوريا. هذا الموقع، رغم بساطته الجغرافية، تحوّل إلى عنصر أساسي في فهم الجريمة: ليس فقط أين حدثت، بل كيف نُفذت. في التضامن، كما في أماكن كثيرة من سوريا، الجغرافيا لم تعد مجرد مكان، بل أصبحت شاهداً وضحية.
كيف كُشفت الحقيقة؟
لم يكن الوصول إلى اسم أمجد يوسف نتيجة صدفة، بل كان خلف ذلك عمل طويل ومعقد، قادته الباحثة السورية العلوية أنصار شحّود التي عملت مع الباحث التركي أور أميت أونغر، إلى جانب وسيط ميداني داخل دمشق ساهم في التحقق من المعلومات على الأرض. معاً، جمعوا بين الأدلة الرقمية والعمل الميداني، في واحدة من أكثر التحقيقات تعقيداً في عملية تعد من أخطر عمليات الاختراق الرقمي خلال النزاع.
على مدى سنوات، بنت هوية وهمية، ودخلت في دوائر ضيقة لأشخاص مرتبطين بالأجهزة الأمنية. احتاج الأمر إلى وقت طويل لكسب الثقة، قبل أن تصل إلى يوسف نفسه. وتحت اسم مستعار “آنا ش”، بنت شحّود شبكة علاقات مع مئات المرتبطين بالنظام، واستغرقت سنوات في كسب ثقة يوسف. في محادثات مطولة، انتقل من الإنكار إلى الاعتراف، بل والتفاخر بما ارتكبه، مبرراً الجريمة بأنها “ضرورة”.
هذا العمل لم يكن بلا ثمن. فقد عاشت شحّود حياة مزدوجة، وتعرضت لتهديدات جدية، ودفعت كلفة نفسية واجتماعية عالية، كما وثّق تحقيق The Guardian عام 2022. -لقراءة التقرير اضغط الرابط –
الشاهد الذي لم يُكشف اسمه
وراء هذا الملف، تقف قصة أقل ظهوراً، لكنها ربما الأكثر أهمية في كشف الحقيقة. حيث أن الشاهد الرئيسي في القضية لا يزال مجهول الهوية حتى اليوم، رغم أن دوره كان أساسياً في إخراج مجزرة التضامن من الظل إلى العلن. هو شاب من أبناء الحي نفسه، ينتمي إلى عائلة علوية، لكنه—كما يصفه شهود—“سوري الانتماء، ثوري الهوى”. رفض الالتحاق بالخدمة العسكرية في سنوات الحرب، واختار الاختباء في منطقته، رافضاً المشاركة في ما كان يراه “مقتلة”.
في عام 2018، ومع بدء ما عُرف بسياسات “التسوية” للمتهربين من الجيش، وجد نفسه مضطراً لتسوية وضعه. كان الاتفاق يقضي بأن يخدم ضمن منطقته، في حي التضامن. هناك، في مكتب مسؤول التسويات، صادفته لحظة ستغيّر مسار حياته بالكامل.
وُضع بين يديه حاسوب عائد لأحد عناصر المخابرات العسكرية، وطُلب منه فرمتته وحذف محتواه. أثناء ذلك، لفت انتباهه مجلد يحمل اسماً شخصياً: “فداء لروح الشهيد نعيم يوسف”. ففتح المجلد بدافع الفضول، ليجد نفسه أمام مشاهد لم يكن مستعداً لها.
كانت مقاطع فيديو توثّق عمليات إعدام ميدانية: مدنيون يُقتادون إلى حفرة، إطلاق نار، ثم إحراق الجثث. أدرك فوراً ما الذي يشاهده. وبقرار لحظي، قام بنسخ الملفات بسرعة، قبل أن يُكمل المهمة المطلوبة منه وكأن شيئاً لم يكن.
ما تلا ذلك كان سلسلة من المحاولات المعقدة والخطيرة. عبر شقيقه، الذي كان ناشطاً ولديه شبكة علاقات، حاول إيصال المواد إلى جهات مختلفة. لكن كثيراً من تلك الجهات تعاملت مع القضية كسبق إعلامي، لا كملف قانوني. وبعد محاولات فاشلة، تمكّن أخيراً من الوصول إلى الفريق البحثي الذي عمل لاحقاً على التحقيق، وسلّمهم كل المواد من دون أي مقابل، وبشرط واحد: عدم نشرها إعلامياً في تلك المرحلة، حفاظاً على سلامته.
لكن المخاطر كانت قد بدأت بالفعل. في عام 2019، نُقل ضمن مجموعات “التسويات” إلى دير الزور. في الوقت نفسه، كان شقيقه قد اعتُقل في فرع المنطقة. ومع اقتراب نشر التحقيق الدولي، تلقى تحذيراً من أحد الباحثين. فأدرك أن الوقت بدأ ينفذ.
خلال أيام، باع والده منزل العائلة في القرية ومنزلهم في التضامن بأسعار زهيدة، لتأمين مبلغ يُدفع لضابط مقابل الإفراج عن الابن المعتقل. خرج شقيقه في اليوم نفسه الذي نُشر فيه التحقيق، وغادر فوراً إلى لبنان، لتلحق به العائلة بعد أيام.
أما هو، فانشق من موقعه في دير الزور، واتجه نحو إدلب، حيث اختبأ لفترة قبل أن يتم توقيفه من قبل فصيل مسلح. بعد تدخلات وتوضيحات، أُفرج عنه، ليتمكن لاحقاً من العبور إلى تركيا، ومن هناك إلى أوروبا. بقيت عائلته في لبنان نحو عامين، قبل أن تتمكن من الالتحاق به بمساعدة صحفي بريطاني.
لكن شهادته لم تتوقف عند تسليم الفيديوهات. فقد أدلى بإفادته أمام القضاء الألماني، حيث استُخدمت المواد التي سرّبها في محاكمات مرتبطة بالقضية.
وبحسب ما توصّل إليه، فإن مجزرة التضامن لم تكن فعلاً فردياً. بل كانت عملية منظمة شاركت فيها جهتان على الأقل: فرع المخابرات العسكرية 227، وقوات الدفاع الوطني في الحي. كما يشير إلى أن الفيديوهات صُوّرت بكاميرا رسمية تابعة للفرع، وتمت أرشفتها، قبل أن يحتفظ بها أمجد يوسف لأسباب شخصية مرتبطة بمقتل شقيقه.
اليوم، وبعد اعتقال أمجد يوسف، لا يرى هذا الشاهد أن العدالة قد تحققت. بالنسبة له، ما جرى خطوة أولى فقط. العدالة، كما يقول، لن تكتمل إلا بمحاسبة جميع المتورطين.. من أصدروا الأوامر، ومن أشرفوا، ومن نفّذوا. وربما لهذا السبب، لا يزال يختار البقاء في الظل!
تحديات العدالة الانتقالية
رغم أهمية توقيف يوسف، فإن السؤال الأهم لا يتعلق به وحده. فالشهادات تشير إلى أن ما حدث لم يكن فعلاً فردياً، بل عملية منظمة شاركت فيها جهات متعددة. في مثل هذه الجرائم، لا تقف المسؤولية عند من ضغط على الزناد، بل تمتد إلى من أعطى الأوامر، ومن خطط، ومن سمح بحدوث ذلك، وأي محاسبة تتجاهل هذا المستوى من المسؤولية تبقى ناقصة.
لكن المشكلة لا تتعلق فقط بمن يجب أن يُحاسب، بل بكيفية المحاسبة. فالإطار القانوني داخل سوريا لا يزال غير واضح فيما يخص جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ومسار العدالة الانتقالية لم يكتمل بعد، ومجلس الشعب لم ينعقد حتى اليوم.. فلا تشريعات ولا قوانين ولا محاكم ولا قضاة جاهزون لتطبيق العدالة الانتقالية التي تضمن معرفة الحقيقة، وتحديد سلسلة الأوامر والمسؤولية، ومحاسبة كل المتورطين، ومحاكمات عادلة، وتنفيذ أحكام قضائية تتناسب مع حجم الجرائم المرتكبة.
ذاكرة لا تزال مفتوحة
عاد السكان إلى موقع المجزرة بعد إعلان وزارة الداخلية عن إلقاء القبض على أمجد يوسف في مشهد لم يكن احتفالياً بقدر ما كان تذكيراً بالضحايا الذين لم يُعرف مصير كثير منهم حتى الآن، بينما لا تزال عائلاتهم تبحث عن إجابات. بالنسبة لهم، العدالة لا تعني فقط توقيف شخص، بل معرفة ما حدث بالكامل وإيجاد رفات أحبائهم.
يأتي اعتقال أمجد يوسف كخطوة مهمة، وربما ضرورية في هذه المرحلة، لكنه لا يكفي. فالعدالة، إذا كانت ستتحقق، تحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك: كشف كامل للحقيقة، ومحاسبة على كل المستويات، ونظام قانوني قادر على التعامل مع هذا النوع من الجرائم. حتى ذلك الحين، سيبقى هذا الاعتقال بداية في الطريق الصحيح وإن كان غير كافٍ.
فهل سيحاسب فادي صقر وجمال إسماعيل الذين قادا عملاً ممنهجا منظماً منسقاً بين جهتين لارتكاب الجرائم، الجهة الأولى كانت الفرع ٢٢٧ مخابرات عسكرية (فرع المنطقة) من جهة متمثلاً بالضابط جمال اسماعيل الذي كان رائدً حينها وترفع لعقيد وبقي يخدم في الفرع ليوم هروب الأسد ومن جهة أخرى قوات الدفاع الوطني في التضامن بقيادة فادي صقر الذي عقد تسوية مشبوهة مع السلطات الانتقالية وأصبح رصيد مسؤولاً في لجنة السلم الأهلي معها.
سقوط نظام بشار الأسد فتح الباب أمام ملاحقات كانت مستحيلة سابقاً. لكن اختبار المرحلة الجديدة لا يكمن في عدد المعتقلين، بل في قدرة النظام القضائي على تفكيك بنية الإفلات من العقاب.
بالتأكيد، اعتقال أمجد يوسف خطوة مهمة، لكنه ليس نهاية الطريق.
فالعدالة الحقيقية لا تتحقق بإسقاط فرد، بل بكشف منظومة الجريمة كاملة، وما لم تُفكك تلك المنظومة، سيبقى السؤال مفتوحاً: هل هنالك إرادة حقيقية للمحاسبة؟ وهل نملك الآليات لتحقيق العدالة؟ وهل ستكشف التحقيقات عن مصائر المغيبين؟
والمسيرات التي خرجت مؤخراً في الحي بعد إعلان اعتقال أمجد يوسف تعبّر عن هذا التحول: من مكان للجريمة إلى مساحة للمطالبة بالعدالة. لكن التحدي الأكبر لا يزال قائماً: كيف يمكن تحويل هذا المكان من رمز للألم إلى جزء من مسار حقيقي للمحاسبة؟






