تقرير «التحديات المركبة للصحفيات العلويات» الصادر عن اتحاد الصحفيات.

مقالة

في سياقٍ سوريٍّ لا يزال يتلمّس طريقه خارج إرثٍ ثقيل من الاستبداد والانقسام، يقدّم تقرير «التحديات المركبة للصحفيات العلويات في سوريا ما بعد الأسد» مساهمة ضرورية في إعادة توجيه النقاش العام: من الأحكام المسبقة إلى فهم الإنسان، ومن التصنيفات الجاهزة إلى تعقيد التجربة الفردية.

استند هذا التقرير إلى مقابلات شبه منظّمة مع عشر صحفيات علويات، ينتمين إلى خلفيات مهنية وجغرافية متعددة، في محاولة واعية لنقل الواقع كما يُعاش، لا كما يُختزل. هذه المقاربة ليست مجرد خيار منهجي، بل موقف أخلاقي يرفض التعامل مع النساء كأرقام أو حالات، ويصرّ على الاعتراف بهن كفاعلات يمتلكن أصواتًا وتجارب معقدة تستحق الإصغاء.

ما يكشفه التقرير يتجاوز فكرة “التحديات” بمعناها التقليدي، ليغوص في طبقات متداخلة من الضغوط: الهوية الطائفية، المهنة الصحفية، والتحولات السياسية. الصحفيات العلويات يجدن أنفسهن في موقع شديد الحساسية، حيث تتقاطع الشكوك المجتمعية مع التوقعات السياسية، ويُطلب منهن بشكل ضمني وأحيانًا صريح أن يبررن وجودهن، أو يعيدن تعريف أنفسهن في سياق مشحون بالاستقطاب.

في هذا الإطار، لا تصبح الصحافة مجرد مهنة، بل مساحة صراع يومي على الشرعية والمصداقية. فبعض الصحفيات يتحدثن عن محاولات مستمرة لإثبات استقلاليتهن، في مواجهة تصنيفات جاهزة تربطهن بالنظام السابق، فقط بحكم الانتماء الطائفي. أخريات يروين عن ضغوط داخلية—من العائلة أو المجتمع المحلي—تدفعهن نحو الصمت أو الحذر، خوفًا من التبعات.

ومع ذلك، لا يختزل التقرير هذه التجارب في إطار الضحية. بل يُظهر أيضًا أشكال المقاومة اليومية: الإصرار على العمل، إعادة تعريف الدور الصحفي، وخلق مساحات بديلة للتعبير. هذه الأصوات لا تطلب تعاطفًا بقدر ما تطلب فهمًا عميقاً للسياق، وللتعقيد، وللثمن الذي يُدفع مقابل الاستمرار.

ما يكشفه التقرير ليس مفاجئًا بقدر ما هو مسكوت عنه. ففي مرحلة ما بعد الأسد، التي يُفترض أن تؤسس لعدالة انتقالية شاملة، لا تزال بعض الفئات تدفع ثمن انتماءات مفترضة، لا خيارات فعلية. الصحفيات العلويات يواجهن هذا التحدي بشكل مضاعف: كنساء في بيئة إعلامية غير متكافئة، وكمنتميات إلى طائفة جرى اختزالها سياسيًا لعقود.

من منظور حقوقي، هذا الوضع يطرح إشكالية خطيرة: هل يمكن الحديث عن إعلام حرّ بينما تُقاس مصداقية الصحفيات والصحفيين على أساس هوياتهم، لا على أساس عملهم؟ وهل يمكن بناء ديمقراطية حقيقية دون تفكيك هذا النوع من الوصم الجماعي؟

التقرير يقدّم إجابة ضمنية: لا.

لكنّه، في الوقت نفسه، لا يقع في فخ التعميم المعاكس. فهو لا ينفي وجود تعقيدات داخل هذه الفئة نفسها، ولا يتجاهل التباينات في المواقف والتجارب. وهذه نقطة قوة أساسية، لأنها تعيد الاعتبار للفرد، في مواجهة منطق الجماعة الصلبة.

الأصوات التي ينقلها التقرير تكشف عن معركة يومية على أكثر من جبهة: إثبات المهنية في بيئة مشحونة، التفاوض مع مجتمع قد يكون حذرًا أو رافضًا، والتعامل مع إرث سياسي لم يخترنه. ومع ذلك، هناك إصرار واضح على الاستمرار في ممارسة الصحافة كفعل حر، لا كامتياز مشروط.

أهمية هذا التقرير تكمن في أنه لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة ضرورية: كيف يمكن بناء بيئة إعلامية عادلة في سوريا الجديدة؟ كيف يمكن حماية الصحفيات من التهميش المزدوج بسبب النوع الاجتماعي والانتماء؟ وما الدور الذي يجب أن تلعبه المؤسسات الإعلامية والمجتمع المدني في ضمان تمثيل أكثر توازنًا؟

في زمنٍ تُهيمن فيه السرديات السريعة والمبسّطة، يذكّرنا هذا العمل بأن الحقيقة غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا. وأن الاستماع الحقيقي لمن يعيشون التجارب هو الخطوة الأولى نحو أي تغيير إيجابي.

فالعدالة لا تتجزأ. وحرية التعبير لا تُمنح لفئة دون أخرى. وأي مشروع ديمقراطي في سوريا المستقبل سيفشل، إن لم يعترف بهذه البديهيات.

هذا التقرير لا يقدّم حلولًا جاهزة، لكنه يضعنا أمام مرآة ضرورية: هل نحن مستعدون للاستماع حقًا؟ أم أننا سنستمر في استبدال سردية أحادية بأخرى!

للاطلاع على التقرير كاملًا:

🔗 womenjournalists.org/التحدياتا

مقالات للكاتب/ة