الوصاية بين القانون والواقع: لماذا يحتاج قانون الوصاية رقم ١٧ إلى إصلاح يضع مصلحة الطفل أولًا؟

مقالة

تُعدّ قوانين الوصاية من أكثر التشريعات تأثيرًا على استقرار الأسرة ومستقبل الأطفال، لأنها تحدد من يتحمل المسؤولية، وكيف تُدار حياة الطفل بعد الانفصال أو الطلاق، ومن يملك القرار في المسائل المصيرية. وفي سوريا، يشكّل القانون رقم ١٧ للوصاية القانونية أحد أبرز القوانين التي أثارت نقاشًا واسعًا، ليس فقط بسبب ثغراته، بل بسبب تأثيره المباشر على آلاف الأمهات والأطفال.

هذه المقالة ليست سردًا لتجربة فردية، بل محاولة لفتح نقاش عام حول قانون لم يعد يعكس احتياجات المجتمع، ولا يتماشى مع المعايير الحديثة لحماية الطفل، ولا ينسجم مع النماذج القانونية الأكثر عدالة في العالم.

أولًا: أين تكمن الإشكالية في القانون رقم ١٧؟

القانون الحالي ينطلق من فرضية قديمة تعتبر الأم طرفًا يجب ضبطه ومراقبته، بدل الاعتراف بها كفاعل كامل الأهلية. لا يضع القانون مصلحة الطفل في مركز القرار، بل يمنح السلطة لمن يملك القوة الاجتماعية أو الاقتصادية، وليس لمن يملك القدرة الحقيقية على الرعاية.

القانون لا يأخذ بعين الاعتبار:

  • العنف الاقتصادي
  • الابتزاز العاطفي
  • الحرمان المتعمّد من التواصل
  • إساءة استخدام السلطة الأبوية
  • الظروف الاجتماعية التي تُسحق فيها النساء

وبذلك يتحوّل القانون من أداة حماية… إلى أداة قمع، ويصبح الطفل هو الخاسر الأكبر.

ثانيًا: النموذج الأوروبي للوصاية… كيف يعمل؟ ولماذا يُعدّ أكثر عدالة؟

النموذج الأوروبي لا يقوم على “الوصاية على الأم”، بل على المسؤولية المشتركة بين الوالدين. وهو نموذج قائم على مبادئ واضحة أثبتت فعاليتها في حماية الطفل وضمان حقوق الوالدين بالتساوي.

١.  مصلحة الطفل هي الأولوية المطلقة

في أوروبا، يُنظر إلى الطفل كفرد له حقوق مستقلة. كل قرار من السكن إلى التعليم إلى السفر يُتخذ بناءً على تقييم موضوعي لمصلحة الطفل، وليس بناءً على سلطة أحد الوالدين.

٢.  الاعتراف بالأم والأب كطرفين متساويين

لا يُفترض ضعف الأم ولا يُفترض تفوق الأب. كلاهما يُقيَّم على أساس:

  • القدرة على الرعاية
  •  الاستقرار النفسي
  •  الوضع المعيشي
  •  السلوك تجاه الطفل
  •  الالتزام بالنفقة والتواصل

٣.  تجريم الحرمان من التواصل

في معظم الدول الأوروبية، يُعتبر منع الطفل من رؤية أحد والديه انتهاكًا لحقوق الطفل، وليس “حقًا” للوصي.

٤ . مراقبة سلوك الطرفين وليس جنسهم

لا يحصل أحد على الوصاية لمجرد أنه “الأب” أو “الأم”. القرار مبني على:

  • تقارير اجتماعية
  • تقييمات نفسية عند الحاجة
  • سجل السلوك
  •  قدرة كل طرف على توفير بيئة آمنة

٥ . حماية الطفل من النزاعات

القانون الأوروبي يمنع استخدام الطفل كأداة ضغط أو انتقام. ويفرض آليات وساطة، وخطط تواصل واضحة، وعقوبات على الطرف الذي يسيء استخدام سلطته.

٦ . ضمان النفقة كحق للطفل

النفقة ليست “منة” من أحد الوالدين، بل حق قانوني للطفل، وتُفرض بآليات تنفيذ صارمة.

ثالثًا: لماذا أصبح إصلاح قانون الوصاية ضرورة اجتماعية؟

لأن القانون الحالي:

  • لا ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الطفل
  • لا يعكس التحولات الاجتماعية والاقتصادية
  • لا يحمي الأمهات من العنف القانوني
  • لا يضمن استقرار الطفل بعد الانفصال
  • لا يوفّر آليات رقابة أو مساءلة للطرف المسيء

إصلاح القانون ليس مطلبًا نسويًا فقط، بل مطلبًا مجتمعيًا. فالطفل الذي ينشأ في بيئة نزاع قانوني أو حرمان أو ابتزاز، هو طفل يتأذى نفسيًا واجتماعيًا، بغض النظر عن الطرف الذي يملك “الوصاية”.

رابعًا: لماذا أكتب اليوم؟

أكتب لأنني عشت هذا القانون بكل تفاصيله، وعرفت كيف يمكن أن يغيّر مصير أم وأطفالها. وأكتب لأن آلاف النساء ما زلن يواجهن نفس الظلم بصمت. وأكتب لأنني أؤمن أن القانون العادل هو أساس المجتمع العادل.

إصلاح قانون الوصاية ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية الأطفال، واحترام الأمهات، وبناء مجتمع أكثر عدالة وإنصافًا.

خاتمة

أي قانون لا ينطلق من مصلحة الطفل، ولا يعترف بالأم كفاعل كامل الأهلية، هو قانون يحتاج إلى مراجعة جذرية. وحان الوقت لإعادة صياغة قانون وصاية يحمي الأطفال، يحترم الأمهات، ويعكس قيم العدالة التي يطمح إليها المجتمع.

مقالات للكاتب/ة

المزيد من المقالات