في وقت تتفاقم فيه الأزمات المعيشية والخدمية في سوريا برزت الدعوة إلى اعتصام “قانون وكرامة” في 17 نيسان كصرخة جديدة من الشارع تعكس حجم الاحتقان الشعبي وتعيد طرح أسئلة قديمة حول العدالة والكرامة وحق السوريين في العيش بحد أدنى من الإنسانية.
إلا أن هذه الدعوة لم تقابل بنقاش جدي حول مطالبها بقدر ما ووجهت بحملة رفض وتشكيك أعادت إلى الأذهان خطاب السنوات الأولى للثورة
مطالب واضحة… وتجاهل متعمد
الاعتصام كما يطرحه الداعون إليه لا يحمل شعارات غامضة أو أجندات خفية بل يركز على مطالب أساسية تمس حياة المواطن اليومية
عدالة انتقالية، عدالة اجتماعية، محاسبة المسؤولين عن الجرائم السابقة، رفض إعادة تدوير أو تلميع المتورطين، تخفيف الأعباء الاقتصادية، وضبط الأسعار بما يتناسب مع دخل يكاد لا يكفي للبقاء
في بلد لا يتجاوز فيه دخل العامل العادي 100 دولار شهريا بينما تلتهم فواتير الكهرباء معظمه والإيجارات اكثر مما تبقى هذا يتركه يئن تحت خط الفقر من البداية قبل ان يبدأ بالتفكير بالطعام او الشراب او أي احتياجات أخرى
فتبدو هذه المطالب أقرب إلى الحد الأدنى من الحقوق لا إلى سقف عال من الطموحات
واقع لا يحتمل الصمت
الخدمات الأساسية في تراجع مستمر والقطاع الصحي يعاني نقصا حادا حتى في أبسط المستلزمات
المواطن يدفع مقابل كل شيء في المستشفيات الحكومية حتى الشاش دون أن يحصل على ما يقابله مشافي لا تستطيع تقديم شيء وفي الوقت نفسه تستمر سياسات اقتصادية تزيد الضغط على الناس من رفع أسعار إلى خصخصة منشآت دون أي ضمانات لحماية الفئات الأكثر ضعفا اما المسؤلين فحياة الترف التي يعيشوها يمكن انها افقدتهم بصيرتهم تجاه الواقع فقد ساوو او تجاوزوا بترفهم من سبقوهم
الأكثر إيلاما أن ملف العدالة ايضا لا يزال معلقا بعد 14 عاما من الانتهاكات لم تتحقق محاسبة حقيقية بينما يظهر بعض المتهمين في مواقع رسمية أو عامة في مشهد يثير استياء شريحة واسعة من السوريين مما جعله مطلب اساسي في الاعتصام
رفض قائم على الاتهام لا النقاش
بدلا من مواجهة هذه الحقائق اختار معارضو الاعتصام مسارا آخر: التشكيك والتخوين
توجه الاتهامات لمن يدعو أو يدعم وينبش في ماضي بعض الأفراد وكأن شرعية المطالب تقاس بهوية الداعمين لا بمضمونها رغم ان لا احد يمثل المنظمين او الاعتصام ولا يمكن ان تحاسب على اي شخص شارك او نشر بوست عن الاعتصام هذا ضرب من اللاعقلانية
لكت هذا النهج يعيد إنتاج خطاب قديم حين كانت المطالب تقابل بوصف أصحابها بـ”المندسين” و”الإرهابيين”. واليوم تتغير التسميات إلى “فلول” و”شبيحة” لكن المنطق واحد: نزع الشرعية عن أي حراك عبر وصم أصحابه
المفارقة أن بعض من يمارس هذا الخطاب اليوم كانوا ضحاياه في الامس وهو ما يعكس دائرة مغلقة من الإقصاء تتبدل فيها الأدوار دون أن يتغير الأسلوب
حجج واهية أمام واقع واضح
من بين أبرز الاعتراضات مسألة عدم إعلان أسماء المنظمين لكن هذه الحجة تتجاهل واقعا معروفا العمل السري كان جزءا من الحراك السوري منذ بداياته بدافع الحماية من الملاحقة والظروف التي دفعت لذلك لم تختف بالكامل بل اليوم نحن امام خطر جمهور بالكامل يستطيع ان يقدم على اي شيء بظل غياب شبه كامل للمحاسبة
كما يتم التركيز على منشورات فردية أو جهات داعمة بدل مناقشة المطالب نفسها وهو ما يطرح تساؤلا مشروعا إذا كانت المطالب غير قابلة للرفض فهل يصبح الحل هو مهاجمة من يرفعها؟
حق لا يقبل الانتقاص
حق التظاهر والتعبير السلمي ليس موضع جدل قانوني. هو حق تكفله القوانين المحلية والمواثيق الدولية، وكان أحد أبرز أدوات السوريين في التعبير عن أنفسهم منذ عام 2011
رفض هذا الحق أو التشكيك فيه لا يعني سوى تضييق المساحة العامة وإغلاق أحد آخر منافذ التعبير السلمي المتاحة
بين خيارين
اعتصام “قانون وكرامة” يضع الجميع أمام خيار واضح
إما التعامل مع المطالب بجدية والنظر فيها كمدخل لمعالجة الأزمات
أو الاستمرار في سياسة الإنكار والتخوين التي أثبتت سابقا أنها لا تؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين الشارع والسلطة
في النهاية لا يمكن اختزال القضية في من دعا ومن دعم السؤال الحقيقي يبقى
هل هذه المطالب عادلة؟ وإذا كانت كذلك، فلماذا تواجه بالرفض



