المريدون والأغوات في جبال الأكراد (عفرين) : صراع النفوذ في زمن رسم الحدود

مقالة

في خريف 1929،كجزء من سياسة اتاتورك العلمانية الشاملة في الجمهورية الحديثة لفصل الدين عن الدولة وتحديث المجتمع. و حملته الواسعة في إغلاق التكايا والزوايا والأضرحة، وحظر أنشطة الدراويش، ومنع نظام الانتساب الصوفي تماماً لقطع جذور النفوذ الديني التقليد
وصل إلى جبل الأكراد هاربًا من أزميت أحد شيوخ الطريقة النقشبندية، يُدعى الشيخ إبراهيم الخليل اللذي استقر في قرية إصلاحيه قبل ان يحتويه عشيرة الشيخ اسماعيل زاده واستخدموا مفوذهم مع السطات لمنحه الجنسية السورية.

تجمع الفلاحون المحرومون حول الشيخ، وبدأت في نيسان من عام 1930 تظهر للعلن جماعة جديدة في جبل الأكراد المحاذي للواء إسكندرون، مكوّنة من الفلاحين، اسمها (جماعة المريدين) نظم الشيخ جماعته و اسس هيكليتها بشكل متين و أصبح يطلق الخطب و يعطي الدروس الدينية متبعا الطقوس الصوفيه فامتد صيت حركته الى انحاء واسعة من الأراضي السورية.

أشعلت هذه الجماعة القلق في نفوس أغاوات الجبل، ومنهم وأهمهم كورشيد إسماعيل زاده الذي سعى لاحتواءه في البداية غير لأن توسع قاعدته الشعبية بين الفلاحين وبروز حركة المريدين، اصبحت تشكل خطرا على نفوذه فقد كانت في شكلها جماعة دينية، غير أن مضمونها كان يحمل بوادر ثورة طبقية، في وقت كان فيه الأتراك يعملون على وضع الحدود التي ترسم اللواء المراد الحصول عليه.

حرّض الأغاوات الفرنسيين على الشيخ إبراهيم الخليل، والذي سارعت السلطات الفرنسية في عام 1931 لإبعاده نحو تركيا مجددًا، حيث وضعته الحكومة التركية تحت الإقامة الجبرية.
لم تترك الحركة وحيدة بفضل التنظيم الذي وضعه الشيخ انتقلت ادارتها الى اثنين من اتباعه الاول شيخ حنيف عربو من قرية سعرينجك وكمسؤول للشؤون الدينية و المالية و علي غالب المعروف بقورت علي من ذات القرية مسؤولا عن الانشطة المتنوعة للحركة
وعد قادة الحركة المريدين الفلاحين و صغار الملاك بتوزيع اراضي الاغوات عليهم و عملوا على تسوية امور الزواج بإالغاء المهر و الغوا ديون الفلاحين و حلوا الكثير من مشاكل الفلاحين الاجتماعية

أدى إبعاد الشيخ إلى خلق صراع مرير بين عائلة كورشيد إسماعيل زاده ومريدي الشيخ إبراهيم، وبدأ جبل الأكراد يرتدي لبوسًا دينيًا صبغته أفكار إبراهيم الخليل، الذين فرضوا مقاطعة شركة حصر التبغ والتنباك وفرضوا منع التدخين.

كان جبل الأكراد محكومًا من قطبين رئيسيين من الأغاوات: عشيرة البيان التي يترأسها كورشيد إسماعيل زاده والمدعومة من الفرنسيين، وعشيرة الشيخان التي كان يتزعمها حسين عوني رشيد آغا، والذي وجد بالمريدين حليفًا يمكن الوثوق به في وجه خصومهم من عشيرة البيان والذين أسهموا بفضل سعة انتشارهم في إنجاح حسين عوني في الانتخابات النيابية 1936، والذي تخلى عنهم لاحقًا، وحدث انشقاق في حركة المريدين التي باتت تشكل ثقلًا في الجبل غير ان ذلك لم يمنع من تعزيز وجودها وسعة انتشارها في القرى الكردية المترامية على الحدود التركية.

في مطلع عام 1937، قامت دعاية قوية في جبل الأكراد لضم جبل الأكراد إلى لواء إسكندرون، تركزت في عفرين وجرابلس، وبصورة أقل في تادف ومنبج. ساهم فيها كورشيد وعدد من أغاوات الجبل، نظرًا لتكامل الجبل الطبيعي مع غازي عنتاب وكلس اقتصاديًا وبشريًا، مدفوعين بالإغراءات التركية للمطالبة بالانضمام إلى تركيا. تم توزيع الإعانات التركية في الجبل بشكل واسع، وانتشرت البرنيطات الكمالية، فأصبح يُطلق على عفرين في مطلع 1937 أنها عش الدعاية التركية.

قامت السلطات السورية بفرض الإقامة الجبرية على كورشيد في دمشق بعد اتهامه بالضلوع بتلك الدعاية واتهامه بتوزيع الأسلحة والبرانيط، غير أن الحقيقة كانت أن كورشيد كان يطمح لكسب دعم الأتراك في مواجهة حركة المريدين وتحجيمهم. لاحقت الحكومة السورية الأغاوات المتورطين بالدعاية التركية، وأحرقت البرنيطات بتأييد من حركة المريدين، الذين اعتبروا البرنيطات بدعة أجنبية. واللافت كان تعاون أغاوات الجبل، وتحديدًا كورشيد وحسين عوني، الذي ساهم المريدون بإيصاله للنيابة، معًا للانضمام إلى دولة هاتاي.

أمام ذلك المشهد المعقد، كان لافتًا جدًا، وفي ذروة المطالبات التركية بفصل لواء إسكندرون، أن عاد الشيخ إبراهيم الخليل إلى جبال الأكراد في شباط 1938، فاعتقلته السلطات الفرنسية لأسبوعين، وأُطلق سراحه.

وضع الشيخ قواته المسلحة تحت تصرف الحكومة الوطنية، وارتدى الحطة والعقال، واضعًا النجوم الثلاثة الحمراء على العقال إشارة لسوريته، وأصبحت حركته تنادي بأن العرب والأكراد إخوة في الدين والوطن.

بعد عودته، نظم الشيخ حركة المريدين وشدّ العصب الطبقي بمواجهة الأغاوات. أصبح لديهم سرايا مدربة ومخافر تقوم على حراسة الجبل، وبدأ المريدون بالسيطرة على أراضي أغاوات عائلة الشيخ إسماعيل زاده في منطقة النبي هوري، والتصرف بها لصالح الحركة.
أصبحت الاشتباكات المسلحة بين المريدين والأغاوات لا تنقطع في مطلع 1939. أدت اشتباكات، بعد الهجوم على مصلين من المريدين في مسجد هوري، إلى وقوع حوالي 40 شخصًا بين قتيل وجريح، فتم توقيف الشيخ إبراهيم.

كان اللافت، والانعطاف الخطير مع مطلع 1939، أن تحول صراع المريدين إلى حركة مقاومة ضد الفرنسيين، فهاجم محو إيبو شاشو منزل المستشار الفرنسي في إعزاز، وحدثت معركة طلحنة في جبل برصايا. شنّ الفرنسيون حملة واسعة في الجبل، وكان هناك فصيل منهم يتبع لحنيف عربو متصل مع الوطنيين في دمشق.

استعر الصراع مع الفرنسيين، ما دفعهم لقصف راجو وبلبل وميدانكي بالطائرات. هذا الصراع الدامي دفع بالأغاوات للنزوح إلى حلب في آذار 1939، بعد تطور خطير أصبحت فيه المواجهة بين المريدين والدرك، بعد القبض على الشيخ حنيف. انتشر الفرنسيون بشكل كبير في عفرين وإعزاز، واتخذوا من المدارس والخانات مقرًا لهم، واشتركت القوات الخاصة الفرنسية في المعارك. وكان بهيج الخطيب، المفتش الإداري للداخلية، قد أشرف بنفسه ميدانيًا على المعارك.

أعلنت الحكومة السورية أن لديها إثباتات دامغة على تورط حركة المريدين وشيخها إبراهيم الخليل بالعلاقة مع تركيا، وصرّح مظهر رسلان، وزير الداخلية، أنه مقتنع أن ثمة أيادي خارجية تلعب من وراء ستار لدعم حركة المريدين.

الأمر اللافت كان أن المقاومة العربية ضد الفرنسيين، بزعامة فوزي القاوقجي ونجيب عويد وعبد الرحمن المصري، بدأت بالتنسيق مع حركة المريدين والحكومة التركية من أجل إطلاق مقاومة ضد الفرنسيين في المناطق المشتعلة، واتخذت من كردطاغ قاعدة لها.

في النهاية، تم قمع حركة الشيخ إبراهيم الخليل بجهد مشترك من الدرك السوري والقوات الفرنسية، وبقي التشكيك في عمل الشيخ إبراهيم، الذي اتهمته الكتلة الوطنية بالعمل لمصلحة الأتراك، واتهمه القوميون الأكراد الحديثون بأنه ضابط خدمات خاصة تركي كمالي دخل إلى الجبل متنكرًا بزي زعيم كردي تحت اسم شيخ، بهدف احتواء تنامي المشاعر القومية الكردية لحساب تركيا.

كانت عودة الشيخ إلى الجبل في الوقت الذي كانت تجري فيه المفاوضات الفرنسية السورية التركية، وكان الشيخ يسعى خلال المعارك للتفاوض مع الفرنسيين للحصول على حكم ذاتي في عفرين وجبل سمعان وإعزاز.

يقول الباحث جمال باروت إن السلطات التركية استخدمت حركة المريدين، كما بعض الشخصيات الوطنية المعادية للانتداب الفرنسي في الجزيرة، مثل علي الزوبع مستشار شيخ قبيلة الجبور، لتحصيل أكبر قدر ممكن من المكاسب الترابية التركية على الأراضي السورية.

في النهاية يمكن القول لم يتوقف زلزال الأتاتوركية العلمانية عند حدود تركيا، بل امتدت ارتداداته إلى المناطق السورية الحدودية، حيث تداخل الديني مع الطبقي والعرقي في مشهد واحد معقّد.
هناك، لم تكن التحولات مجرد صدى خارجي، بل أعادت تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية للمناطق البعيدة و المهمشة خصوصًا في ظل واقع الانتداب.
أُعيد استثمار الدين والهوية والانقسام الطبقي كأدوات تعبئة، تتقاطع مع المصالح المحلية والإقليمية.
لتصبح هذه العوامل مجتمعة وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، حتى داخل حركات رفعت شعارات دينية أو اجتماعية في ظاهرها.

الصورة: صفحة Portrait d’Alep

مقالات للكاتب/ة