يقول مطيع السمان في كتابه وطن وعسكر:
(لقد كان حظ الدكتور ناظم القدسي في رئاسة الجمهورية من أتعس الحظوظ بالمقارنة مع حظوظ الآخرين من رؤساء الجمهورية السابقين بسبب تردي أوضاع القوات المسلحة في زمانه أكثر من غيره بما لا يقاس، وأنه سُجن خلالها مرتين قبل أن تُنهى ولايته، ليس بسبب أعماله إنما بسبب تجاوزات غيره وتآمرهم، وكان الإعدام في المرة الثانية أقرب إليه من حبل الوريد. وقد لمس ذلك هو بنفسه.)
الرئيس ناظم القدسي، المولود في حلب سنة 1906، درس في مدارسها، مدرسة شمس الترقي التي كان يديرها المرحوم عبدالله الأميري، ثم في مدرسة شمس المعارف والتي كان مديرها المرحوم نجيب باقي، ثم في مدرسة الأرض المقدسة التي أنهى فيها دراسته الثانوية. تخرّج من جامعة الحقوق في دمشق وذهب إلى سويسرا فحاز على الدكتوراه في القانون، وكانت أطروحته باللغة الفرنسية بعنوان (تعاون لدراسة انتقادية لنظرية السيادة في الحقوق الدولية الحديثة).
عاد إلى سوريا وعمل في المحاماة، وانتسب إلى الكتلة الوطنية سنة 1936، وفي عام 1943نجح بالوصول الى المجلس النيابي للمرة الاولى مع رفيقه رشدي الكيخيا انتُدب للقيام بأول مهمة وزير مفوض لسوريا في واشنطن سنة 1945 انتُخب عند عودته نائبًا عن حلب عن حزب الشعب سنة 1947، وعُيّن وزيرًا للخارجية في وزارة الرئيس هاشم الأتاسي عام 1949، وانتُخب للمرة الثانية عن حلب كعضو في الجمعية التأسيسية لوضع دستور 1950، وعُيّن رئيسًا للجنة الدستورية.
سُمّي رئيسًا لمجلس الوزراء للمرة الأولى في 24 كانون الأول 1949، وللمرة الثانية لأول وزارة دستورية في حزيران 1950.
انتُخب رئيسًا لمجلس النواب في تشرين الأول 1954، وجُدّد انتخابه مرتين 1955 و1956. انتُخب رئيسًا للجمهورية عام 1961 وبقي في منصبه حتى انقلاب آذار 1963.
هو الشخصية السياسية الثانية بعد الرئيس هاشم الاتاسي التي شغلت المناصب الرئيسية الثلاثة في التاريخ السوري الحديث :
رئاسة مجلس الوزراء
رئاسة البرلمان
رئاسة الجمهورية
لدى الرئيس القدسي سبعة أبناء، أما والده فكان شخصية بارزة ومعروفة في حلب، وهو الحاج تقي الدين ابن بهاء ابن تقي الدين القدسي، الذي كان له أراضٍ وأملاك جنوب حلب تشمل قريتي البوابية وجب كاس. كان والد الرئيس القدسي موظفًا في محكمة الاستئناف ومعاونًا لرئيس بلدية حلب، وكان لديه مضافة في قوناق بيت القدسي في حلب القديمة يستقبل فيها الوجهاء والفلاحين والفقراء. توفي في قرية البوابية سنة 1926. أما جده أحمد أفندي الدين القدسي فكان أول رئيس للمجلس البلدي في حلب عام 1863 ميلادي، وبين (1881 و1885).
ناظم بيك من السياسيين المخضرمين في السياسة السورية، و أحد مؤسسي حزب الشعب الذي كان يضم نخبة من رجال السياسة والقانون والصحافة البارزين في كل من حلب وحمص والذي كان له حضور بارز في البرلمان السوري منذ تأسيسه.
هو أول سفير سوري في واشنطن، ومن الموقعين على ميثاق الأمم المتحدة بصفته ممثلًا للجمهورية السورية.
في سنوات الوحدة مع مصر وحل الأحزاب السياسية، عمل الرئيس القدسي مديرًا في بنك العالم العربي الذي قام عبد الناصر بتأميمه مع سائر المصارف السورية لاحقًا.
يقول مطيع السمان في كتابه وطن وعسكر:
(الدكتور قدسي رجل علم وأخلاق وسياسة ووطنية سليمة، متواضع نظيف اليد وكريم النفس، عنده كثير من الصفات الحميدة، إلا أنه ينقصه الحزم ويخشى اتخاذ قرار وهو في أعلى مسؤوليات الدولة، وهو جدير برئاستها للتمثيل وليس لتقرير المصير عندما يتطلب الموقف إقدامًا وقرارًا.
لم يستخدم أحدًا من أولاده أو عائلته سيارة الحكومة أثناء عهده، ومن يمنع ذلك ويترفع عنه بحق وليس من باب الخداع لا يمكن أن يقدم على الكبائر من المغانم المحرمة، وكثيرًا ما كنا نشاهد أولاده يذهبون إلى مدارسهم على أرجلهم أو بواسطة النقل المشترك، في الوقت الذي يتبجح فيه قائد الجيش (عبد الكريم زهر الدين) في مذكراته من أجل ابنه فؤاد في استخدام سيارة الدولة ويعتبره حقًا من حقوقه، وهذا غير صحيح.)
بعد قيام انقلاب الثامن من آذار 1963 صدر المرسوم رقم 239 عن رئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة لؤي الأتاسي متضمنًا فرض العزل المدني بحق أربعين شخصية، من بينهم رئيس الجمهورية الدكتور ناظم القدسي. تم اعتقال الرئيس القدسي وبقي رهن الاعتقال حتى الأول من كانون الأول 1963 حيث أُطلق سراحه، وأقام في دمشق في منزل الدكتور عبد الستار عدي أحد أنسبائه. منحه الرئيس أمين الحافظ الموافقة للمغادرة إلى بيروت، ومن حلب غادر عبر المطار نحو بيروت. في مطار بيروت استقبله مدير التشريفات في القصر الجمهوري، وانتقل بسيارة أرسلها الرئيس فؤاد شهاب نحو منزل ابن شقيقته الوزير السابق الدكتور نهاد إبراهيم باشا. عرض عليه الأمير فيصل بن عبد العزيز ولي العهد السعودي العمل معه في القصر الملكي في الرياض، إلا أنه اعتذر عن ذلك. وعند اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية 1975 تنقل بين عمّان وتونس ولندن وفرنسا وسويسرا والإمارات حتى استقر أخيرًا إلى جانب ابنه فائز في عمّان عام 1987، وجاءت وفاته بعد وفاة زوجته السيدة شهيرة صلاحية بعام واحد، وحسب عائلته فقد عرض النظام السوري عبر السفير دفنه في سوريا إلا أن العائلة فضلت الدفن في عمّان إلى جانب زوجته.
دُفن الرئيس القدسي في مقبرة أم الحيران في عمّان بعد أن صُلّي عليه في مسجد الفيحاء الشميساني.
رغم ما تحلّى به الرئيس القدسي من نزاهة وسموّ أخلاقي وخصال إنسانية رفيعة، إلا أنّه وجد نفسه في لحظة تاريخية قاسية لا تنسجم مع طبيعته الهادئة. فقد جاء إلى الحكم في ظرف استثنائي كان يتطلّب قيادة صارمة وحزمًا حديديًا قادرًا على فرض القانون والانضباط في مؤسسة الجيش و اعادة لهيكلة القطعات العسكرية و انشاء جيش يخضع للسلطة كانت سنوات رئاسته من بين أصعب المراحل في التاريخ السياسي السوري الحديث، إذ رأى خصومه أن غلبة التروّي على الشدّة، وابتعاد الحسم في مواجهة الأزمات، فتحا الباب أمام الانقلابات والتمرّدات، وانتهيا بالإطاحة بالعهد كاملا.
مصادر الحياة الشخصية للرئيس القدسي :
-كتاب حلب في مائة عام ل محمد فؤاد عنتابي و نجوى عثمان (حصلت عليه من دار الوئاثق الرقمية)
-ال القدسي ل شقيق الرئيس القدسي رشاد بن تقي الدين القدسي
-المكتبة الرئاسية للدكتور القدسي





