يروي الصحافي نذير فنصة عن انقلاب حسني الزعيم أن مواطناً اقترب من أحد الجنود الذي كان يقف بالقرب من دبابته عند مدخل مبنى البرلمان في شارع الصالحية، وسأله:
“أخي، شو في؟”
فأجاب الجندي: “انقلاب.”
فسأل المواطن بنبرة بريئة: “انقلاب؟ شو يعني؟”
كان هذا هو الواقع آنذاك؛ لم يكن كثيرون يعرفون معنى الانقلاب العسكري.
في تمام الساعة الثانية والنصف فجر الثلاثين من اذار 1949، تحرك رتلان عسكريان من مواقعهما في الجبهة السورية–الفلسطينية ودخلا مدينة دمشق. كان الرتل الأول قد انطلق من معسكر قطنا بقيادة قائد اللواء الأول المقدم أديب الشيشكلي، أما الرتل الثاني فكان بقيادة المقدم محمود شوكت يعاونه النقيب بكري قوطرش. وكان رئيس الأركان العامة حسني الزعيم بانتظارهما عند ربوة دمشق لإعطاء الأوامر بتنفيذ خطة الانقلاب.
قُطعت جميع الاتصالات السلكية واللاسلكية التي تربط دمشق بالمناطق السورية وبالعالم الخارجي، وفي أقل من ساعة اقتُحم منزل رئيس الجمهورية شكري القوتلي في منطقة بستان الرئيس، ومنزل رئيس الوزراء خالد العظم في منطقة ساروجا، وتم اعتقالهما، دون أن يشعر معظم الدمشقيين بما كان يجري تحت نوافذ منازلهم في تلك الليلة.
صدر البيان رقم (1)، ونصّه:
“مدفوعين بغيرتنا الوطنية، ومتألمين لما آل إليه وضع البلد من جراء افتراءات وتعسف من يدّعون أنهم حكامنا المخلصون، لجأنا مضطرين إلى تسلم زمام الحكم مؤقتاً في البلاد التي نحرص على المحافظة على استقلالها كل الحرص. وسنقوم بكل ما يترتب علينا نحو وطننا العزيز، غير طامحين إلى استلام الحكم، بل إن القصد من عملنا هو تهيئة حكم ديمقراطي صحيح يحل محل الحكم الحالي المزيف.”
تلاه البيان رقم (2): دعوة الشعب إلى الهدوء والسكينة، وتحذير كل من يتجول حاملاً سلاحاً، مهما كان نوعه، بالإعدام فوراً.
ثم البيان رقم (3): فرض منع التجول اعتباراً من الساعة السادسة صباحاً وحتى إشعار آخر.
ثم البيان رقم (4): تحذير لأصحاب الأفران وتجار المواد الغذائية من رفع الأسعار واحتكار المواد.
أمر الزعيم بتعطيل الدستور، وإغلاق مكاتب جميع الأحزاب، وحلّ المجلس النيابي اعتباراً من 1 نيسان 1949. كما أوقف معظم الصحف اليومية، وأطلق صحيفة سياسية تابعة له باسم “الانقلاب”، وعُيّن الصحفي منير الريّس رئيساً لتحريرها.
كان انقلاب حسني الزعيم أول انقلاب عسكري في سورية، وثاني انقلاب في الوطن العربي بعد انقلاب بكري صدقي في العراق عام 1936.
أما أسبابه الظاهرة، فجاءت على خلفية هزيمة الجيش السوري في حرب فلسطين، وتصاعد هجوم الطبقة السياسية على المؤسسة العسكرية بسبب ما عُرف بـ”فضيحة السمن الفاسد”، التي اكتُشفت في مستودعات إطعام الجيش.
اتخذ الزعيم من قصر مديرية الشرطة العامة في ساحة المرجة بدمشق مقراً مؤقتاً له، يشرف منه على تسيير شؤون الدولة التي أصبحت بيده.
خرج بعض السوريين مهللين للزعيم، حاملين صور شكري القوتلي وقد وُضعت عليها الأحذية، مبررين ذلك بأنه جاء “محطم الأصنام والزعامات”.
في اليوم الثالث للانقلاب، الذي صادف يوم جمعة، توافد المصلون إلى المسجد الأموي، وألقى الشيخ بشير الخطيب خطبة أشار فيها إلى الانقلاب، واعتبره إنهاءً لعهد الفوضى والرشاوى والمحسوبيات، وبداية عهد جديد يقوم على قوة الحق ومطالب الأمة. كما دعا له بطول البقاء، وسار خطباء آخرون على نهجه، مطالبين بتشكيل محاكم عسكرية لمحاكمة من وصفوهم بالخونة.
ويشير يوهانس رايسنر في كتابه “الحركات الإسلامية في سورية” إلى أن من أبرز سمات انقلاب حسني الزعيم بروز طبقة جديدة من الفاعلين السياسيين، تمثلت في الضباط وصغار الكسبة والموظفين، الذين بدأوا يحلون تدريجياً محل النخب البرجوازية والإقطاعية التقليدية. كما تسابق كثير من السياسيين إلى تأييد الزعيم وإرسال برقيات الدعم له.
ورغم قصر فترة حكمه، التي لم تخلُ من مظاهر الفساد، إلا أن عهده شهد تطورات لافتة في التاريخ السوري الحديث، منها:
- كان أول رئيس سوري يُنتخب بشكل مباشر من الشعب.
- إطلاق نهضة تشريعية بإلغاء مجلة الأحكام العدلية وإقرار قانون مدني حديث صاغه الفقيه المصري عبد الرزاق السنهوري.
- إصدار قوانين التجارة والبينات والعقوبات.
- إقرار اتفاقية “التابلاين” لنقل النفط عبر سوريا.
- توقيع اتفاقية الهدنة السورية–الإسرائيلية.
كما بدأ الزعيم ما وصفه بـ”ثورة اجتماعية” ذات طابع علماني، تضمنت محاولات لتوحيد اللباس، خاصة غطاء الرأس. ونقل مراسل “الديلي تلغراف” تغيرات اجتماعية ملحوظة، من بينها إقامة حفلات مختلطة وظهور النساء دون حجاب في الأماكن العامة، ما دفع بعض الصحف إلى تشبيهه بكمال أتاتورك.
استمرت فترة حكم الزعيم نحو أربعة أشهر، بغطاء أميركي، وكان قريباً من محور (مصر–السعودية) في مقابل محور (العراق–الأردن). كما قام بتسليم أنطون سعادة إلى السلطات اللبنانية، التي أعدمته، وهو ما سرّع في نهايته.
رقّى الزعيم نفسه خلال أيام من رتبة عميد إلى فريق، ثم فريق أول، ثم مشير، وجمع بين مناصب رئيس الجمهورية ووزير الدفاع والداخلية وقائد الجيش والشرطة. كما فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية، ولم يترشح سواه، فتحولت إلى استفتاء.
يقول نذير فنصة:
“استيقظت بعد منتصف ليلة الأحد 14 آب على أصوات طلقات ورشاشات استمرت نحو خمس دقائق. أدركت ببصيرتي أن حدثاً ما قد وقع، وعدت إلى النوم غير مطمئن. وعندما استيقظت صباحاً، فتحت إذاعة دمشق، فكان المذيع يعلن البلاغات تباعاً… لقد وقع الانقلاب الثاني بقيادة سامي الحناوي، وأُعدم حسني الزعيم ومحسن البرازي رمياً بالرصاص.”
أما رجل الاستخبارات الأميركي Miles Copeland، مؤلف كتاب “لعبة الأمم”، فيقول إن انقلاب حسني الزعيم كان بتخطيط أميركي، حيث أُقيمت علاقات مع الزعيم، وتم تشجيعه على تنفيذ الانقلاب، مع وضع تفاصيله عبر السفارة.
م يكن انقلاب حسني الزعيم مجرد انقلاب عسكري، بل هو أشبه بثورة كاملة المواصفات على واقع سياسي مهترئ. هو انقلاب على الطبقة السياسية التقليدية التي خيّبت آمال السوريين، ونشبت بينها الخلافات التي أدت إلى تشظي الكتلة الوطنية، التي لمع بريقها في عهد الانتداب ولم تصنع الكثير بعد رحيله.
الطبقة السياسية التقليدية التي لم تنجز، في سنوات الاستقلال، الخطوات الضرورية لبناء الدولة المأمولة، فاحتكرت السلطة، وعدّلت الدستور لينال الرئيس القوتلي فترة رئاسية جديدة، في الوقت الذي كان فيه الدستور بحاجة إلى تعديلات أهم وأعمق، وقمعت الاحتجاجات بقسوة، وفرضت قانون الطوارئ، وزوّرت الانتخابات، إضافة إلى خيبة الأمل التي ملأت النفوس جراء ضياع فلسطين.
كان ينقص الانقلاب شيء واحد: رجل دولة ناضج، مخضرم، وصاحب شرف عسكري، يضع قواعد وأسس دولة حديثة، لا مجرد سلطة. رجل يسير على خطى مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، أو رجل يعيد بناء النظام السياسي (الجمهورية الخامسة) الذي صاغ أسسها شارل ديغول في فرنسا. لقد حظي لبنان بـ فؤاد شهاب، الرجل المتزن الناضج المثقف، ولم تحظَ سوريا بمثله. لم يكن للزعيم إنجازات تُذكر.
باختصار، بقي الزعيم أقرب إلى “ضابط انقلابي” منه إلى “باني دولة”. اتخذ قرارات سريعة (اتفاقيات، إصلاحات) دون قاعدة سياسية، وفي ظل غياب الحاضنة الشعبية، لم يبنِ حزبًا أو حركة جماهيرية حقيقية، بل رشّح نفسه للرئاسة، وأقصى الآخرين، وعيّن نفسه رئيسًا، وأخلّ بعهده تجاه رئيس الحزب القومي السوري الاجتماعي أنطون سعادة، وسلّمه للسلطات اللبنانية بعد أن قطع عهدًا بحمايته، وأكثر من ذلك أمسك بكامل السلطات. اعتمد بشكل كامل على الجيش، المنهك أصلًا والمتشعب الولاءات، والجيش قوة مؤقتة؛ وبالنتيجة بقيت الدولة كما هي، ولم يتغير سوى رأس السلطة.





