المجاهرة بالإفطار في سوريا: قراءة قانونية في غياب النص وسلطة الاجتهاد القضائي

المعتصم الكيلاني
باحث دكتوراه في القانون الدولي والعلاقات الدولية – مختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الانسان، يعمل في مجال توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وإعداد الدراسات والتقارير الحقوقية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يركز عمله على تعزيز المساءلة والعدالة الانتقالية ودعم الضحايا من خلال التحليل الحقوقي والتعاون مع الجهات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

للكاتب/ة أيضاً

مع حلول شهر رمضان من كل عام يتجدد النقاش في سوريا حول مسألة المجاهرة بالإفطار في الأماكن العامة، ويُطرح السؤال ذاته: هل يجرّم القانون السوري هذا الفعل بشكل صريح؟

الإجابة القانونية المختصرة هي: لا يوجد نص مباشر في قانون العقوبات السوري يجرّم الإفطار أو المجاهرة به خلال شهر رمضان. غير أن المسألة لا تقف عند حدود النص، بل تمتد إلى مجال التكييف القانوني والاجتهاد القضائي.

صدر قانون العقوبات السوري بالمرسوم التشريعي رقم 148 لعام 1949، ولم يتضمن أي مادة تتعلق بالصيام أو الإفطار خلال شهر رمضان. وبالتالي، فإن القول بوجود نص خاص يعاقب على الإفطار العلني لا يستند إلى أساس تشريعي مباشر.

ومع ذلك، فإن بعض الحالات قد تُلاحق جزائياً عندما يُنظر إلى الفعل باعتباره تعرضاً للآداب العامة إذا وقع بصورة علنية وفي مكان عام.

في هذا السياق، غالباً ما يُستند إلى المادة 517 من قانون العقوبات السوري التي تنص على:

«يعاقب على التعرض للآداب العامة بإحدى الوسائل المذكورة في الفقرة الأولى من المادة 208 بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات».
أما المادة 208/1 فقد حدّدت وسائل العلنية، معتبرة أن الفعل يكون علنياً إذا وقع في مكان عام أو في مكان يمكن للجمهور رؤيته أو سماعه. وهذا العنصر – أي العلنية – هو أحد الشروط الأساسية لقيام جريمة التعرض للآداب العامة.

انطلاقاً من ذلك، يمكن – من الناحية النظرية – أن يُكيَّف فعل المجاهرة بالإفطار في مكان عام على أنه فعل علني قد يُفسَّر بأنه يمس الآداب العامة أو الشعور العام للمجتمع، ما يفتح الباب أمام الملاحقة الجزائية استناداً إلى المادة 517 بدلالة المادة 208 من قانون العقوبات.

لكن من المهم التأكيد أن هذا التكييف لا يقوم على نص خاص بالصيام، بل على تفسير قانوني عام لمفهوم الآداب العامة. وهنا يظهر الدور الحاسم للقضاء، إذ أن تقدير ما إذا كان الفعل يشكل تعرضاً للآداب العامة يبقى من اختصاص محكمة الموضوع.

وقد استقر الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض السورية على هذا المبدأ، إذ أكدت في العديد من قراراتها أن تقدير ما إذا كان الفعل مخالفاً للآداب العامة يعود إلى قاضي الموضوع الذي يقدّر الوقائع والظروف المحيطة بالفعل. ومن التطبيقات القضائية التي كرست هذا الاتجاه قرار محكمة النقض السورية رقم 83 لعام 1973 الذي أشار إلى أن استخلاص عناصر الجريمة وتقدير الأدلة يدخل ضمن السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع متى كان استنتاجها قائماً على أسباب مقبولة.

وبالتالي، فإن النقاش حول المجاهرة بالإفطار في سوريا يكشف عن واقع قانوني مركّب:

فمن جهة، لا يوجد نص تشريعي يجرّم الفعل بشكل مباشر، ومن جهة أخرى قد يؤدي تفسير نصوص الآداب العامة إلى ملاحقة بعض الحالات إذا رأت المحكمة أن الفعل العلني يمس النظام العام أو الشعور الاجتماعي.

في النهاية، تبقى هذه المسألة مثالاً واضحاً على العلاقة المعقدة بين القانون المكتوب والاجتهاد القضائي والمعايير الاجتماعية. فالقانون لم يضع قاعدة صريحة بشأن الإفطار في رمضان، لكن مساحة التقدير التي يملكها القضاء في تفسير مفهوم الآداب العامة تجعل الحكم في مثل هذه القضايا مرتبطاً بظروف كل حالة على حدة.

مقالات للكاتب

المزيد من مقالات