في كل مرة تفتح هاتفك، أو ترسل رسالة، أو تبحث عن شيء على الإنترنت، يعمل خلف الكواليس جهاز مذهل اسمه الحاسوب. نحن اعتدنا وجوده لدرجة أننا نكاد ننسى أنه أحد أعظم اختراعات البشر.
لكن الحواسيب التي نستخدمها اليوم، رغم قوتها الهائلة، تعمل وفق فكرة بسيطة جداً. فكرة يمكن تلخيصها برقمين فقط: صفر وواحد.
كل ما يراه الحاسوب، أي نص، صورة، مقطع موسيقي، أو فيديو، يتحول في النهاية إلى سلسلة طويلة جداً من الأصفار والواحدات. هذه السلسلة هي اللغة التي يفهمها الحاسوب.
الوحدة الأساسية لهذه اللغة تسمى البت. الكلمة مأخوذة من الإنجليزية Bit، وهي اختصار لعبارة Binary Digit أي الرقم الثنائي.
البت يشبه مفتاحاً كهربائياً صغيراً. يمكن أن يكون في حالة تشغيل أو في حالة إيقاف. هذا كل شيء. إما صفر، أو واحد.
قد يبدو الأمر بسيطاً بشكل مضحك. لكن عندما تجمع مليارات من هذه المفاتيح الصغيرة داخل معالج واحد، تحصل على القدرة الحسابية التي تشغل العالم الرقمي كله.
الحواسيب الحديثة تحتوي على مليارات الترانزستورات، وكل واحد منها يمثل بتاً واحداً. عندما تعمل هذه البتات معاً وفق برامج معقدة، يمكن للحاسوب أن يحاكي الطقس، أو يحلل الجينوم البشري، أو يقود سيارة ذاتية القيادة.
ومع ذلك، هناك مشكلة.
بعض المسائل العلمية تزداد صعوبتها بسرعة مخيفة. كلما كبر حجم المشكلة، يتضاعف عدد العمليات الحسابية المطلوبة بشكل هائل. في النهاية تصل إلى نقطة يصبح فيها حتى أقوى حاسوب في العالم عاجزاً عملياً عن إيجاد الحل.
خذ مثالاً بسيطاً نسبياً: تحليل الأعداد الكبيرة إلى عوامل أولية. بالنسبة لعدد صغير مثل 15 الأمر بسيط. نعرف فوراً أنه يساوي ثلاثة ضرب خمسة. لكن عندما يصبح العدد مكوناً من مئات الأرقام، تتحول المسألة إلى تحدٍ حقيقي.
في الواقع تعتمد معظم أنظمة التشفير التي تحمي الإنترنت اليوم على هذه الصعوبة تحديداً. الفكرة هي أن تحليل عدد ضخم إلى عوامله الأولية يحتاج زمناً طويلاً جداً للحاسوب التقليدي.
لكن تحليل الأعداد ليس المشكلة الوحيدة. هناك أيضاً مسائل في الكيمياء والفيزياء تتعلق بمحاكاة الجزيئات المعقدة. تخيل أنك تريد محاكاة جزيء يحتوي على عشرات الإلكترونات المتفاعلة مع بعضها. عدد الاحتمالات الممكنة يزداد بسرعة مذهلة، حتى يصبح خارج قدرة الحواسيب التقليدية.
هنا بدأ العلماء يسألون سؤالاً غير عادي: ماذا لو كانت المشكلة ليست في سرعة الحواسيب، بل في الطريقة التي نحسب بها أصلاً؟
في بداية ثمانينيات القرن الماضي طرح الفيزيائي الشهير ريتشارد فاينمان فكرة لافتة. قال فاينمان إن الطبيعة نفسها لا تعمل وفق قوانين الفيزياء الكلاسيكية التي بنيت عليها الحواسيب التقليدية. الطبيعة في جوهرها تعمل وفق قوانين ميكانيكا الكم.
وميكانيكا الكم، كما يعرف الفيزيائيون جيداً، عالم غريب جداً.
في هذا العالم يمكن للجسيم أن يكون في حالتين في الوقت نفسه. يمكن للإلكترون أن يوجد في عدة أماكن محتملة في آن واحد. ويمكن لجسيمين بعيدين جداً أن يبقيا مرتبطين بطريقة عجيبة بحيث يؤثر قياس أحدهما فوراً على الآخر.
فاينمان اقترح فكرة جريئة: إذا كانت الطبيعة تعمل وفق قوانين الكم، فلماذا لا نبني حاسوباً يعمل بهذه القوانين نفسها؟
هكذا بدأت قصة الحوسبة الكمومية.
في الحواسيب التقليدية لدينا وحدة المعلومات الأساسية، البت. أما في الحوسبة الكمومية فهناك وحدة جديدة تسمى الكيوبت.
الكيوبت يشبه البت من ناحية أنه يمثل وحدة معلومات. لكن الفرق الجوهري هو أن الكيوبت لا يقتصر على الصفر أو الواحد فقط. يمكنه أن يكون في مزيج من الحالتين في الوقت نفسه. هذه الظاهرة تسمى التراكب الكمومي.
لفهم الفكرة يمكن تخيل قطعة نقدية. عندما تكون على الطاولة فهي إما صورة أو كتابة. لكن عندما تدور في الهواء، فهي ليست صورة فقط ولا كتابة فقط، بل شيء بين الاثنين حتى تتوقف.
في العالم الكمومي يحدث شيء مشابه، لكن بطريقة أعمق بكثير. الجسيمات الصغيرة يمكن أن توجد في عدة حالات في الوقت نفسه حتى يتم قياسها.
الحواسيب الكمومية تحاول استغلال هذه الخاصية لمعالجة المعلومات.
هناك ظاهرة أخرى لا تقل غرابة تسمى التشابك الكمومي. عندما يصبح جسيمان متشابكين كمومياً، فإن حالتهما تصبح مرتبطة ببعضها بطريقة لا تشبه أي شيء في الفيزياء الكلاسيكية. قياس أحدهما يحدد حالة الآخر فوراً حتى لو كان بعيداً جداً.
آينشتاين نفسه وصف هذه الظاهرة مرة بأنها “تأثير شبحي عن بعد”. لكنها اليوم حقيقة مثبتة بتجارب دقيقة جداً.
التشابك والتراكب هما الأداتان الأساسيتان للحوسبة الكمومية.
لكن يجب أن نكون واضحين في نقطة مهمة. الحاسوب الكمومي ليس آلة سحرية ستحل كل شيء بسرعة. في الواقع، في معظم التطبيقات اليومية لن يكون أفضل من الحاسوب العادي.
القوة الحقيقية للحوسبة الكمومية تظهر في أنواع محددة من المسائل، خصوصاً تلك التي تتضمن عدداً هائلاً من الاحتمالات.
لهذا السبب تتسابق اليوم شركات كبرى مثل IBM وGoogle وMicrosoft لبناء معالجات كمومية تحتوي على عشرات أو مئات الكيوبتات. هذه الأجهزة غالباً ما تعمل داخل أنظمة تبريد هائلة تصل حرارتها إلى أجزاء صغيرة من الدرجة فوق الصفر المطلق، لأن الأنظمة الكمومية حساسة جداً لأي اضطراب في البيئة المحيطة.
ما نراه اليوم هو بداية مرحلة جديدة فقط. تماماً كما كانت الحواسيب في أربعينيات القرن الماضي أجهزة تجريبية ضخمة، قد تبدو الحواسيب الكمومية الحالية بدائية بعد عدة عقود.
لكن الفكرة الأساسية أصبحت واضحة: إذا أردنا أن نفهم الطبيعة ونحاكيها بدقة أكبر، ربما يجب أن تبنى حواسيبنا على القوانين نفسها التي تحكمها.
في المقال القادم سننتقل خطوة أعمق داخل هذا العالم الغريب. سنرى كيف تجري العمليات الحسابية داخل الحاسوب الكمومي، ولماذا يعتقد بعض العلماء أن هذه الحواسيب قد تغير مستقبل التشفير والعلوم الحسابية




