عن الفرق بين التمثيل الحقيقي في الأنظمة الديمقراطية واستخدام الرموز في الأنظمة السلطوية
في النقاشات السياسية التي تظهر بين حين وآخر، يثار كثير من الجدل حول وصول امرأة محجبة إلى منصب سياسي متقدم. ويُقدَّم هذا الحدث أحياناً على أنه دليل على تقدم المجتمع أو على العكس باعتباره مؤشراً على تحوّل في السياسة. غير أن التركيز على شكل اللباس أو الخلفية الدينية غالباً ما يحجب السؤال الأهم: ما طبيعة النظام السياسي الذي أوصل هذا الشخص إلى موقعه؟
الفارق بين أن تصل امرأة محجبة إلى موقع سياسي متقدم في دولة ديمقراطية، وبين أن تُعيَّن امرأة محجبة أو غير محجبة في منصب داخل دولة شمولية ثيوقراطية ديكتاتورية، هو فارق جوهري. ففي الحالة الأولى نحن أمام نظام يسمح للمجتمع بأن يعكس تنوعه الحقيقي في مؤسسات الدولة. أما في الحالة الثانية فنحن غالباً أمام استخدام للرموز داخل منظومة سلطوية مغلقة.
في الدول الديمقراطية لا تُمنح مواقع القرار عادةً بقرار فردي صادر عن السلطة، بل تكون جزءاً من منظومة سياسية ناتجة عن الانتخابات والمؤسسات. بعض المناصب يتم انتخابها مباشرة من قبل المواطنين، بينما تُعيَّن مناصب أخرى مثل الوزراء أو الدبلوماسيين أو كبار المسؤولين الإداريين. غير أن هذه التعيينات لا تتم في فراغ، بل داخل إطار سياسي خاضع للمساءلة والرقابة.
فالحكومة التي تقوم بالتعيين تكون في العادة ناتجة عن انتخابات، والبرلمان قادر على مساءلتها، والصحافة والرأي العام يراقبان قراراتها. وإذا أساءت استخدام سلطتها فإن الناخبين يستطيعون تغييرها في الانتخابات التالية. لذلك فإن التعيين في الأنظمة الديمقراطية لا يكون تعبيراً عن إرادة فردية للسلطة، بل جزءاً من منظومة سياسية أوسع تستمد شرعيتها في النهاية من المجتمع.
وجود امرأة محجبة في البرلمان أو الحكومة في دولة ديمقراطية لا يعني أن الدولة أصبحت دينية. ما يعنيه ذلك ببساطة هو أن النظام السياسي قادر على تمثيل جميع مكونات المجتمع. قد تكون هذه المرأة من أقلية دينية أو ثقافية، وقد لا تمثل سوى نسبة صغيرة من السكان، لكن النظام الديمقراطي يسمح لها بأن تكون جزءاً من عملية اتخاذ القرار ما دامت حصلت على ثقة الناخبين أو وصلت إلى موقعها ضمن مؤسسات شرعية.
لكن من المهم أيضاً فهم الفكرة المعاكسة. فكما أن وصول امرأة محجبة إلى منصب سياسي لا يجعل الدولة دينية، فإن وصول امرأة غير محجبة، أو مسيحية، أو شخص ينتمي إلى أقلية إثنية، لا يجعل النظام بالضرورة ديمقراطياً أو علمانياً أو تعددياً.
كثير من الأنظمة السلطوية تدرك قوة الرموز في تشكيل الرأي العام، ولذلك تستخدمها بوعي. قد تُبرز امرأة غير محجبة في منصب حكومي لتقديم صورة حداثية للنظام، أو تُظهر شخصية من أقلية دينية في موقع رسمي لتوحي بوجود تعددية. لكن هذه الصور لا تعكس بالضرورة طبيعة النظام الحقيقي.
في بعض الدول الثيوقراطية يتم أحياناً استخدام صورة المرأة المتحررة كجزء من الخطاب الدعائي. يظهر النظام وكأنه يقبل بالتنوع أو يدعم حرية المرأة، بينما يعرف الجميع أن البنية الفعلية للسلطة لا تسمح بذلك. فمراكز القرار تبقى محصورة داخل دائرة ضيقة من النخبة الحاكمة، وتظل المؤسسات السياسية خاضعة بالكامل لإرادة السلطة.
بهذا المعنى تتحول الرموز إلى أدوات سياسية. يتم توظيفها لتجميل صورة النظام أمام الداخل أو الخارج، أو لخلق انطباع بوجود إصلاحات لا تعكس البنية الحقيقية للسلطة. لذلك فإن تنوع الوجوه في الواجهة لا يغير كثيراً من طبيعة النظام نفسه.
الفرق الحقيقي إذن ليس في الحجاب ولا في عدمه، وليس في كون المسؤول امرأة أو رجلاً، بل في طبيعة النظام السياسي الذي يمنح الشرعية للسلطة. في الدولة الديمقراطية تأتي الشرعية من المجتمع عبر المؤسسات والانتخابات والقانون. أما في الدولة الاستبدادية فتأتي من السيطرة على أجهزة الدولة وإدارة السلطة من دائرة ضيقة.
ومن أعماق قلبي، كشخص يتقاسم قلبه بين مكانين، يعيش نصفه الأول في وطن تسوده الكرامة والحرية والعدالة والديمقراطية. وطن يشعر فيه كل فرد، مهما كان دينه أو مظهره أو خلفيته، بأنه مواطن كامل الحقوق تحت سلطة القانون. أتمنى أن ينعم النصف الآخر من قلبي أيضاً بكل ما ينعم به النصف الأول من أمن وحرية وكرامة وعدالة، وأن يعيش الناس فيه تحت حكم القانون لا تحت حكم الخوف. لأن الشعوب في النهاية لا تبحث عن الرموز بقدر ما تبحث عن الكرامة والعدالة والقدرة الحقيقية على المشاركة في صنع مستقبلها.




