الأنظمة الأيديولوجية لا تسقط بالطريقة التي يتصورها الناس. اغتيال القائد لا يعني انهيار النظام، يعني انكشافه. طوال عقود يبني هذا النوع من الأنظمة حول قائده طبقة كثيفة من القداسة السياسية تمنع التصدعات الداخلية من الظهور. القوى المتنافسة داخل الدولة، الأمنية والدينية والاقتصادية، تتعايش تحت سقف واحد لأنها تعرف أن كسر السقف مستحيل طالما يجلس القائد فوقه. وجوده لا يلغي الصراع، لكنه يؤجله. وحين يسقط القائد لا تختفي هذه القوى، لكنها تظهر دفعة واحدة. ما كان مؤجلاً يصبح مستعجلاً، وما كان مخفياً يتحول إلى مفاوضة مفتوحة على السلطة.
هذا ما يحدث في إيران اليوم بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. المشهد ليس انهياراً فورياً للنظام، ولكنه انكشافاً لبنيته الحقيقية. شبكة واسعة من رجال الدين، وقادة العسكر، وأصحاب الرساميل المرتبطة بالدولة، وأجهزة أمنية متداخلة. هذه الشبكات كانت تتماسك حول رجل واحد. خامنئي لم يكن مجرد حاكم بالمعنى التقليدي، كان نقطة توازن بين مراكز قوة مختلفة، مركز ثقل يمنعها من الانقضاض على بعضها. غيابه يحوّل النظام من ترتيب مستقر إلى ساحة تفاوض لا يعرف أحد قواعدها بعد. ولهذا فإن السؤال عن المرشد القادم أصبح أهم بكثير من عدد الصواريخ المتبقية في الحرب.
على المستوى العسكري تبدو الحرب وكأنها وصلت إلى حدودها الواقعية. بعد أيام من المواجهة لم تعد المعادلة الميدانية بحاجة إلى كثير من التفسير. السيطرة الجوية الأمريكية شبه كاملة، البنية البحرية الإيرانية تلقت ضربات قاسية، ومخزون الصواريخ يتراجع. هذه ليست معلومات سرية، والإيرانيون أنفسهم يعرفونها جيداً. ولأنهم يعرفونها يفعلون ما تفعله غالباً القوى التي تخسر معركتها الفعلية، يرفعون الصوت. زيادة الهجمات الصاروخية على الخليج، ضرب منشآت مدنية، واستهداف ناقلات نفط، كلها أفعال لا تغيّر ميزان القوى العسكري، لكنها تنتج صورة مختلفة تقول إن الدولة ما زالت قادرة على الرد. العنف هنا يتحول من أداة استراتيجية إلى أداة تعبيرية، هدفها الحفاظ على صورة القوة أكثر من تحقيق نتائج ميدانية.
لكن هذا النوع من الردود يحمل أثماناً سياسية ثقيلة. ضرب دول يعيش فيها مئات آلاف الإيرانيين واستهداف مناطق مدنية لا ينتج إلا عزلة أكبر. أما سقوط قتلى أمريكيين بفعل القصف فيمنح واشنطن ما هو أخطر من الذريعة العسكرية، يمنحها غضباً داخلياً يجعل أي تراجع مكلفاً سياسياً للرئيس دونالد ترامب. هكذا تتحول الحرب تدريجياً من مواجهة عسكرية إلى معركة سياسية، ويصبح مركز القرار الحقيقي بعيداً عن الجبهة، في طهران نفسها.
الدستور الإيراني يقول إن غياب المرشد يفتح مرحلة انتقالية تديرها لجنة ثلاثية مؤقتة إلى أن يجتمع مجلس الخبراء لاختيار المرشد الجديد. لكن الدولة الإيرانية لا تعمل فعلياً وفق النصوص المكتوبة بقدر ما تعمل عبر شبكة مصالح معقدة. أربعون عاماً من الحكم صنعت طبقة كاملة داخل النظام، رجال دين مرتبطون بعائلات نافذة، قادة عسكريون تحولوا إلى رجال اقتصاد، شبكات أعمال تعتمد على الدولة، وأجهزة أمنية تدير توزيع النفوذ والمنافع. المرشد كان يضبط إيقاع هذه الشبكات ويمنعها من الاصطدام المباشر. اختيار خليفته يعني إعادة التفاوض على الحصص كلها. لهذا فإن الصراع الحقيقي ليس دينياً كما يبدو على السطح، بل هو صراع اجتماعي داخل النظام نفسه.
في قلب هذا الصراع يقف الحرس الثوري. هذه المؤسسة لم تعد مجرد جهاز عسكري، تحولت خلال العقود الماضية إلى بنية اقتصادية وسياسية ضخمة، تملك شركات ومرافئ وبنى تحتية وشبكات مالية تمتد داخل الدولة وخارجها. الحرس الثوري اليوم أقرب إلى طبقة اجتماعية كاملة منها إلى مؤسسة أمنية تقليدية. لكنه في الوقت نفسه يواجه معضلة واضحة، ثروته ونفوذه لا قيمة لهما داخل دولة معزولة ومهددة بالتفكك. العقوبات تخنق الاقتصاد، العملة تتآكل، والحرب تستنزف الموارد. تعيين مرشد متشدد يعني استمرار المواجهة ومزيداً من التآكل، بينما تعيين شخصية أكثر براغماتية قد يفتح الباب لتخفيف الضغوط وإعادة إدماج الدولة في الاقتصاد العالمي. المعادلة هنا ليست عقائدية بقدر ما هي مصلحية. حين يصبح البديل خسارة كل شيء تميل حتى المؤسسات الأيديولوجية إلى البراغماتية.
التاريخ يقدم شواهد كثيرة على ذلك. حتى أكثر الحركات الأيديولوجية تشدداً تتحول حين تصبح سلطة. في سوريا مثلاً وصل إلى الحكم نظام خرج من رحم أكثر التيارات الجهادية تشدداً، وبنية ذهنية قائمة على ثنائية الإيمان والكفر. لكن ما إن أصبح سلطة حتى بدأ يتحول، ليس فكرياً بل وظيفياً. السلطة تفعل ذلك دائماً، حين تصبح مسؤولاً عن دولة لا تعود العقيدة وحدها كافية لإدارة الواقع. تبدأ المساومات، تدخل الحسابات الاقتصادية، وتصبح البراغماتية شرطاً للبقاء. التجربة الإيرانية نفسها عرفت هذا التحول أكثر من مرة، منذ قرار وقف الحرب مع العراق وصولاً إلى الاتفاق النووي. السؤال الآن ليس ما إذا كانت البراغماتية ممكنة، وإنما ما إذا كانت ستنتصر داخل النظام بعد غياب خامنئي.
المشكلة أن لحظة ما بعد القائد غالباً ما تكون أخطر لحظات الأنظمة الأيديولوجية. طالما بقي الزعيم حياً يبقى النقد الداخلي مكبوتاً، وكل اعتراض يبدو وكأنه خيانة للنظام نفسه. لكن حين يختفي القائد تبدأ الأسئلة التي كانت محرمة. هل كان المسار كله صحيحاً؟ هل يمكن الاستمرار بهذا الشكل؟ ومن يملك الحق في تحديد الاتجاه الجديد؟ هذه الأسئلة لا تأتي من المعارضة وحدها، بل من داخل النظام نفسه.
إيران اليوم ليست المجتمع الذي صنع الثورة عام 1979. أربعة عقود من التحولات أنتجت مجتمعاً مختلفاً، طبقات وسطى حضرية واسعة، جيل شاب لا يشعر بالارتباط الأيديولوجي بالنظام، نساء خضن صراعات يومية مع منظومة القمع، واقتصاد يعيش تحت ضغط دائم. هذا المجتمع لا يحتاج بالضرورة إلى ثورة كي يتغير، أحياناً يكفي أن تنكسر لحظة الخوف، غياب المرشد قد يكون هذه اللحظة. ولهذا يمارس الحرس الثوري قمعاً استباقياً في الداخل، لكن القمع الاستباقي يحمل معنى واضحاً، إنه اعتراف بأن النظام يخاف من مجتمعه بقدر ما يخاف من الطائرات.
الخطر الذي يواجه إيران اليوم ليس عسكرياً فقط، فالدولة الإيرانية متعددة القوميات بشكل كبير. الفرس لا يشكلون أغلبية مطلقة، والأطراف الأكثر فقراً هي غالباً الأكثر تنوعاً إثنياً. خلال العقود الماضية تمكن النظام من إدارة هذا التنوع عبر مزيج من القمع والرمزية الدينية، المرشد كان يمثل رمزاً لوحدة الدولة فوق الانقسامات. حين يسقط الرمز يصبح السؤال القومي أكثر حساسية. التوترات الكردية في الغرب والامتدادات الآذرية في الشمال ليست مجرد ملفات أمنية، هي صدوع اجتماعية كامنة يمكن لأي صدمة سياسية أن تفعّلها.
ما يحدث في طهران الآن ليس مجرد انتقال سلطة، إنه اختبار كامل لشكل الدولة الإيرانية. هل سيختار النظام إعادة إنتاج نفسه عبر مرشد متشدد يحافظ على البنية القائمة ويواصل المواجهة، أم سيختار شخصية قادرة على فتح باب التحول التدريجي وإعادة التفاوض مع العالم؟ القرار قد يبدو دينياً في شكله، لكنه سياسي في جوهره. والمسافة بين المسارين قد تكون بعرض قرار واحد في غرفة واحدة داخل طهران.
هذه اللحظة ليست امتحان رجل سيجلس مكان رجل آخر، إنها امتحان ما إذا كانت إيران قادرة على تقديم عقلها على غريزتها، وأن تفهم أن الفارق بين دولة تبقى ودولة تتفكك قد يكون أحياناً مجرد قرار واحد.
وهذا امتحان لم تنجح فيه كثير من دول هذه المنطقة قبلها.
